الآلام والتقطيع / وإن كانت الموانع مرتفعة . وما قدمناه في الفصل الّذي قبل هذا يسقط قوله إنه يصح أن يدرك الإنسان ببصره ما بينه وبينه حجاب ، وفي الظلمة ، ومع عدم الضياء والمقابلة ، وأن الأمر في ذلك موقوف على وجود الإدراك فقط ، فلا وجه لتفصيل الكلام عليه .
وقد ألزمهم شيخنا أبو علي رحمه اللّه القول بتجويز إدراك البقة في حال لا يدرك الإنسان الفيل ، لأنه إذا جاز أن يفعل جل وعز فيه الإدراك ، وجاز أن لا يفعله ، فلا شيء يوجب وجوده ، فما الّذي يمنع من أن يفعل أحدهما ولا يفعل الآخر ؟ قال رحمه اللّه : فإن ارتكبوا ذلك لزمهم أن يجوزوا أن يكون القادر على حمل مائة رطل يتعذر عليه حمل رطل ، ويجب أن لا يمتنع أن يكون غرز الإبر في جسم الحي يحدث عنده من الآلام أكثر مما يحدث عند تقطيع جسمه إربا إربا ، ولا يمتنع على هذا القول أن لا يشبع الواحد منا بالأكل الكثير ويشبع بأكل لقمة منه ، وأن لا يتعب بالمشي العظيم ويتعب بالخطوة الواحدة ، وأن يكون كلما كبر فيه القدر يكون الفعل الّذي يصح منه أقل . ومن بلغ هذا المبلغ فقد تجاوز حد من تكلم في المذاهب .
وقد ألزمهم رحمه اللّه القول بإبطال الفزع إلى الحواس في معرفة المحسوسات ، لأنه إذا جاز أن يرى مكان الشيء ولا يرى ما فيه ، ويرى اليسير ولا يرى العظيم ، فقد خرج بذلك من كونه طريقا للعلم ، وواقعا على صحة ، ويجب أن يجرى مجرى الأخبار التي تكون كذبا تارة / وصدقا أخرى في أنه ليس بطريق للعلم .
ومن جوز ذلك لزمه أن لا يفزع الإنسان إلى الآلات في الأفعال أيضا ، وقد علم أن من كمال العقل الفزع إلى ذلك . فيجب إبطال كل قول يؤدى إلى خلافه .
وهذا الكلام لازم فيه خاصة ، لأنه يقول بجواز وجود الألم والعلم والإدراك
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 56
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥٦