فصل في أن المدرك منا لا يصح أن يكون مدركا بإدراك /
اعلم أن الرائي منا إنما يرى الشيء متى كانت حاسته صحيحة والموانع مرتفعة ، ولا يحتاج في كونه رائيا ومدركا إلى علة بها يصير كذلك : لأنه كان يجب أن يصح أن لا يوجد مع صحة حاسته وحضور المرئى بين يديه وارتفاع الموانع ولا يرى الشيء على وجه ، وقد بينا استحالة ذلك .
فإذا كان القول بأنه يرى لعلة تؤدى إلى جواز ما علم استحالته ، فيجب فساده وقد بينا أنه لا يلزم ذلك على قولنا إنه مع كمال العقل إذا رأى الشيء يجب أن يعلمه ، لأنا نجيز أن لا يعلمه من حيث كان عالما لمعنى ، لكنا إنما نجيز ذلك فيمن ليس بكامل العقل . فأما القول بجوازه في كامل العقل - مع أن من كمال العقل العلم بالمدركات - يتناقض . فيجب أن تجوزوا ، والحال ما ذكرناه ، أن لا توجد العلة ، فلا يكون رائيا .
وبينا أن الرؤية لو كان معنى لكان جنس الفعل ، ولحل محل الاعتقاد دون العلوم التي لها طرق . فكما يجوز أن يعتقد الشيء وإن لم يجب أن يعتقده ، فكذلك كان يجوز أن يحصل ممن يصح أن يرى الشيء ، وإن لم يجب أن يراه .
فإن قيل : متى كانت حاسته صحيحة ، فلا بد من وجود الرؤية فيها لأن المحل إذا احتمل الشيء وجب وجوده فيه ، فلذلك استحال أن لا يرى ما بحضرته .
قيل له : إنا قد دللنا من قبل على أن ما يحتمله المحل لا يجب وجوده ، ولو وجب وجوده ، لوجب وجود الجوهر ، أو الفناء في كل حال يصح وجود أحدهما ، لأن