فغير ممتنع أن يحصل لنا العلم الضروري بأنه لا جسم بحضرتنا ولا يمنع تجويزنا ما جوزنا من حصول هذا العلم الضروري . قيل له : قد بينا أن الضرير لما جوز كون جسم عظيم بحضرته وإن لم يره / ، وكذلك البصير في الدقيق واللطيف والبعيد ، لم يصح أن يحصل لهم العلم الضروري بأنه لا جسم بحضرتهم ، كما لا يجوز فيما أدركه مع كمال العقل أن لا يحصل له العلم به مع ارتفاع اللبس ، فصار تجويز كون المدرك بحضرته في أنه يمنع من العلم الضروري ينفيه ، وحصول هذا العلم الضروري في أنه يمنع من التجويز بمنزلة حصول الإدراك في إيجابه العلم بالمدرك . ولذلك لما لم يكن الإدراك طريقا من طرق العلم ، فيمن ليس بعاقل ، لم يمتنع أن يحصل بحضرته الجسم ويجوز أن لا يراه ولا يعلمه .
فقد صار ما ذكرناه بمنزلة الإدراك في أنه طريق للعلم : فكما لا يكمل العقل إلا مع العلم بالمدركات ، فكذلك لا يكمل إلا مع العلم بأنه لو كان بحضرته جسم لرآه وعلمه . فكما لا يجوز أن يدرك ولا يعلم ، فكذلك لا يجوز أن يعلم أنه لا جسم بحضرته مع تجويزه كونه بحضرته من غير أن يدرك . ولذلك يفزع العاقل إلى الحاسة ليعرف بها ما بحضرته من الأجسام . فلولا أن الإدراك يوجب العلم ، وانتفاء الإدراك يوجب العلم بأنه لا مدرك هنا ، لم يصح الفزع إليه على هذا الحد . وليس كذلك حال ما سأل عنه ، لأن العلم بأن الّذي شاهده الآن من الشخص هو الّذي كان شاهده من قبل علم ضروري يحصل بالعادة ، فليس طريق حصوله الإدراك ، ولا له به تعلق ، لأنه متى أدركه أولا فإنما يعلم بالإدراك صفته ، فإذا أدركه ثانيا علم أيضا صفته . فأما العلم بأن هذا الموصوف هو الّذي شاهده أولا فلا مدخل / للإدراك فيه لأن الإدراك لا يتعلق بالشيء على هذا الحد . ولذلك يصح مع كمال عقله أن يجوز في الحدين المتقاربين في الصورة إذا طال عهده بهما أن أحدهما هو الآخر
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 47
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٧