وإن كان يدركهما ويعلم صفتهما بالإدراك في الحقيقة وإذا كان هذا العلم لا يستند إلى أصل لم يمتنع أن يحصل له مع تجويزه كونه جل وعز قادرا على خلق مثله لأن ذلك يؤدى إلى فساد طريق من طرق العلم ، ففارق حاله في ذلك حال في ذلك حال ما قدمناه . ولم نقل إن تجويز كون جسم بحضرته من غير أن يراه ينافي العلم بأنه لا جسم بحضرته ، وإنما قلنا إنه يؤثر في طريق العلم الّذي هو الإدراك ، كما أن إدراكه للجسم العظيم مع كمال العقل لا ينافي تجويزه لانتفائه ، لكنه يؤثر في كونه طريقا له . ولذلك جوزنا أن يحصل العلم بأنه لا جسم بحضرته مع هذا التجويز فيمن ليس بكامل العقل .
وليس لأحد أن يقول : كيف يصح أن تجوزوا للكامل العقل أن يجوز أن يخلق اللّه مثل زيد ويعلم باضطرار أن الّذي شاهده ثانيا هو زيد لأن ذلك عندنا لا يتنافى ، فإذا لم يؤثر في طريق من طرق العلم وجب تجويزه ، ولا يمتنع أن يكون في العلوم ما يكمل به العقل ويكون طريقه العادة من غير أن يتعلق بسبب وطريق مما هذه حاله لا يمتنع حصوله لا يمتنع حصوله مع تجويز خلافه ولا يؤثر في طرق العلوم .
ويبعد أن يقال : إن العلم بأن الّذي شاهدناه ثانيا هو الّذي شاهدناه أولا من سائر من نعرفه هو علم مكتسب ، لأنه لو كان كذلك لكان لا / طريق يكتسب منه هذا العلم إلا أنه إذا علم أن صورة ما شاهدناه ثانيا مثل صورة ما شاهدناه أولا ، وأنه تعالى لا يفعل ما يؤدى إلى لبس الأدلة وغيرها ، فالواجب أن يكون الثاني هو الأول . ولو كان هذا العلم يكتسب من هذا الطريق لوجب أن لا يعرف الجبرية ذلك ولا الملحدة . وفي علمنا أنهم يعرفون الأشخاص كمعرفتنا ، مع تجويزهم أن يفعل تعالى ما يجرى مجرى لبس الأدلة ، دلالة على فساد هذا القول .
وقد قال شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه إن الواحد منا يعرف باضطرار أنه الّذي كان
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 48
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٨