فسبيله في أنه لا يرى الشيء سبيل من يستحيل أن يفعل ذلك في عينه ، لأن المعتبر على هذا القول هو بوجود الرؤية ، فمتى وجدت حصل رائيا ، ومتى لم توجد لم يحصل رائيا ، صح حصولها فيه واستحال ، فكان يجب أن يكون سبيل البصير سبيل الضرير في أنه لا يجوز أن يحصل له العلم بأنه لا جسم بحضرته لاشتراكهما في أنه لا يجوز أن لا يدركا ما بين أيديهما . وأما الأجسام اللطيفة فإنه يصح مع لطافتها أن ندركها بأن يقوى اللّه شعاع بصرنا ، وعند بر خالقنا يصح مع لطافتها أن نراها وإن لم يتغير حالنا في الشعاع بأن يفعل اللّه في أعيننا الإدراك له ، فكان يجب متى لم ندركه أن نعلم انتفاءه كما يجب ذلك في الجسم الكثيف .
فإذا بطل ذلك علم أنه لا يصح أن لا نرى الجسم الكثيف الحاصل بحضرتنا على وجه ، وأن حاله مفارق لحال الأجسام اللطيفة . وليس له أن يقول إن الأجسام اللطيفة إنما يجوز كونها بحضرتنا / وإن لم نرها . لأن ما له لا نراها أمران :
أحدهما لطافته ، والثاني أنه لم يفعل فينا الإدراك له . وليس كذلك حال الكثيف ، لأنه متى لم نره فإنما لا نراه لانتفاء الإدراك فقط ، فيجب أن لا يمتنع أن يقطع على أنه ليس بحضرتنا ، وأن يحصل لنا العلم الضروري بذلك فيه ، وإن لم يحصل لنا في الأجسام اللطيفة . وذلك أن ما له نرى ما بين أيدينا كثرته كقلته في أنه متى حصل يجب أن لا نراه . يبين ذلك أن لطافة اللطيف بانفراده بمنزلة لطافته ، وبعده وحصول الحجاب فيه في أنه لا نراه في الحالين ، وإنما كان كذلك لأن رؤيته موقوفة على ارتفاع كل الموانع ، فلا فرق بين وجود واحدها أو الكثير منها في أن الموانع لم ترتفع .
فإذا صح ذلك فيجب على من جوز أن يحصل بحضرتنا الجسم العظيم ولا نراه بأن لا يوجد في عيننا الرؤية له أن يجوز ، والحال هذه ، أن لا نرى
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 44
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٤