فان قيل : إن ما ذكرناه وإن كان بالعادة - لأن الرائي يرى لمعنى ، وقد جرت العادة بأن يفعل لنا الرؤية بكل ما بحضرتنا - فإنا لا نجوز أن يحصل بحضرتنا فيل وإن لم نره ، ولا يجوز ذلك في غيرنا ، لأن العلم الضروري بأنه لا جسم بحضرتنا لا يجوز أن يحصل مع كونه أن يوجد ذلك بحضرتنا ونحن لا نراه ، لأن طريق العلم بأنه لا فيل بحضرتنا هو العلم بأنه لو كان ذلك بحضرتنا لرأيناه ، فمن شك في ذلك لا يجوز أن يحصل له العلم بأنه لا فيل بحضرتنا .
يبين ذلك أنا لما جوزنا أن يكون بحضرتنا الأجسام الدقيقة اللطيفة وإن لم نرها لم يحصل لنا العلم بأنها ليست بحضرتنا ، بل جوزنا كونها بحضرتنا كما نقوله في الملائكة والجن وغيرهم . وكذلك لما جوز الضرير أن يحضره الجسم وإن لم يره لم يحصل له العلم بأنه لا جسم بحضرته .
فإن قيل : إن السليم الحاسة يفارق الضرير فيما ذكرتموه ، لأن الضرير يستحيل أن يفعل له الّذي به يدرك ما بين يديه ، فلذلك لم يعلم أنه ليس بحضرته جسم عظيم . وكذلك القول فيما بحضرتنا من الجسم اللطيف أنه لا يصح أن يفعل لنا الرؤية له والحال هذه . وليس كذلك إذا كان بصر الواحد منا صحيحا ، وما بحضرته من الأجسام كثيفة ، لأنه يصح أن يفعل في عينه الرؤية له والحال هذه ، فإذا لم يفعل علم أنه ليس بحضرته الجسم العظيم ، وصح ، مع تجويزه أن لا يرى ما بحضرته / حصول العلم الضروري له ، وفارق ما ذكرتموه . قيل له :
إن من جوز أن يحصل بحضرته الجسم العظيم فلا يراه مع سلامة بصره لأنه لا يخلق في عينه الرؤية له ، يجب ، متى جوز أن لا يخلق ذلك في عينه ، أن لا يعلم أنه لا جسم بحضرته كما ذكرناه في الجسم اللطيف وفي الضرير .
وقوله إن الضرير يستحيل وجود ذلك في عينه ، وأنه يفارق البصير ، لا يقدح في لزوم ذلك : لأن من صح أن يفعل ذلك في عينه متى لم يفعل فيه ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 43
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٣