تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
محل كونه معتقدا ، ويباين كونه عالما ، فلا يصح أن يقال إن له طريقا يوجبه : فلو صح أن يحضرنا المرئى وإن لم نره مع صحة بصرنا لوجب تجويز ذلك في كل حال ، وفي هذا ما / قدمناه من الفساد . فإن قيل : إنا وإن جوزنا أن لا نرى الأجسام العظيمة ، والحال ما ذكرتموه ، فإنا نأمن ما ألزمتموناه من الجهالات ، لأن العادات قد جرت بأنه متى كان بحضرتنا الأجسام العظيمة أو الأصوات الشديدة أن ندركها لا محالة . ولولا هذه العادة لجوزنا ما ألزمتموناه . قيل له : إنه لا سبيل إلى العلم بما ادعيته من العادة مع تجويزك ما جوزته ، لأن العلم بالعادات كالفرع على العلم بالمدركات . فإذا كان تجويز ما جوزته يوجب عليك الشك في المدركات على ما قدمناه ، فكيف تثق بالعادات ؟ وبعد : فإذا كان الأمر قد جرى على طريقة واحدة في أن كل ما بحضرتنا يجب أن نراه ، والحال ما قدمناه ، ومتى لم يكن بهذه الصفة لا نراه ، فيجب إلحاق ذلك بالموجب دون العادات ؛ لأن قول من قال فيه إنه بالعادة يؤدى إلى تجويز كون سائر الموجبات وإن جرت على طريقة واحدة بالعادات ، وفي هذا الجهل بالفصل بين الموجبات والعادات ، لأنه يجب أن يجوز على هذا القول بأن المقتول يموت بالعادة ، والسواد ينتفى عند البياض بالعادة ، والواحد منا يدرك عند صحة الحاسة بالعادة ، ويصح أن يقدر عند كونه حيا بالعادة ، ويحصل عالما عند وجود العلم بالعادة ، وما أدى إلى ذلك وجب فساده . وبعد : فإن هذا القول يوجب تجويز كون عادة من غاب عنا بخلاف عادتنا ، وإن يحصل بحضرته الأجسام العظيمة ولا يراها ، وهذا في غاية الفساد : لأن المجوز لذلك بمنزلة من يجوز فيما غاب عنا وقوع الفعل لآمر قادر ، وصحة كونه قادرا وإن لم يكن حيا / إلى سائر ما قدمناه .