فصل في أن ما يصح من الواحد منا أن يراه ويدركه يجب أن يراه ويدركه ، وما يتصل بذلك .
اعلم أن الرائي منا متى حصل بالصفة التي لكونه عليها يرى المرئى ، وحصل المرئى بالصفة التي لكونه عليها يراه الرائي ، وارتفعت الموانع المعقولة ، فيجب أن يراه ، ومتى فقد بعض ما ذكرناه استحال أن يراه . فليس له إلا حالان : أحدهما يصح معها أن يرى ويجب أن يرى ، والثانية يستحيل معها أن يرى . وهذا كما نعلمه من حال الجوهر أنه وإن وجد يجب كونه متحيزا ومحتملا للأعراض ، وإن عدم استحال ذلك عليه ، وليس له حال ثالثة تتوسط هذين . ويفارق ذلك صحة كون الواحد منا عالما ، لأنه قد يكون على حال معها يصح أن يعلم ويريد ، وإن لم يجب ذلك فيه . وكذلك سائر الصفات الراجعة إلى الجملة أو المحل إذا استحقت لعلة .
فإن قيل : ولم قلتم إنه متى كان حال الرائي ما ذكرتم أنه يجب أن يرى ما يصح أن يراه ؟ قيل له : لأنا لو جوزنا خلافه لم نأمن من كون جسم عظيم بحضرتنا وإن لم نره ، ولجوزنا أن يكون بحضرتنا الأصوات العظيمة وإن لم نكن نسمعها ، وكذلك سائر المدركات / ، لأنه إذا صح مع كونه بحضرتنا أن نراه وأن لا نراه وكلا الأمرين في الصحة ، والحال هذه ، على حد واحد ، فيجب أن يجوز كونه بحضرتنا وإن لم نره . فإن تجاهل متجاهل وأجاز ذلك لزمه أن لا نثق بالمدركات على ما هي عليه من الصفات ، لأنه يجب أن يجوز أن يكون تخطيط خلق من نشاهده على خلاف ما نراه ، لكنا لم نر منه إلا هذا القدر ، أو لم نره إلا على هذا الوجه . ويجب الا نثق بالتفرقة بين الصغير