منا في رؤية ما يراه إلى آلة ، ولذلك يستحيل أن يرى مع فساد عينه شيئا من المرئيات ، وإن لم يمكن من المرايا أو قابلها على حد ما كان يقابلها مع صحة حاسته .
فأما استغناء الواحد منا في إدراك الحرارة والجوهر والألم عن بنيه مخصوصة فلا يوجب استغناءه في رؤية ما يراه عن الحاسة ، لأنا قد بينا أن محل الحياة يصير آلة في إدراك المدركات ، فربما يحتاج إلى كونه على صفة ليصح الإدراك بها ، وربما يستغنى عن ذلك كما نقوله في إيجاد الأفعال أن فيه ما يستغنى عن الآلة ويكفى فيه محل القدرة ؛ وإن كان فيه ما يحتاج في إيجاده إلى آلة ، فيجب أن يثبت كل شيء منه على ما يقتضيه الدليل .
وليس لأحد أن يقول : جوزوا أن يدرك الواحد منا في الغائب الشيء بلا آلة ، وذلك لأن هذا القول يقتضي تجويز إيجاد الكلام والكتابة في الغائب بلا آلة ، بل يقتضي تجويز إيجاد الأفعال مخترعا لا في محل القدرة ، وما أدى إلى ذلك وإلى غيره من التجاهل وجب فساده .
ونحن نبين من بعد إبطال القول بأنا نرى بحاسة سادسة ما يستحيل أن نراه بهذه الحواس . فقد صح بهذه الجملة أن الواحد منا يستحيل أن يدرك الشيء إلا بحاسة على الوجوه التي يعقلها في الحواس . وقد بينا / من قبل أن كل ما يصح أن ندركه نحن بآلة وحاسة يصح من القديم تعالى إدراكه لذاته وإن استحال عليه الحواس ، كما أن كل جنس من الفعل وكل ضرب منه يصح منا فعله بآلة يصح منه تعالى إيجاده اختراعا لكونه قادرا لنفسه ، فلا وجه لإعادة القول فيه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 38
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٨