فصل في أن المدرك منا لا يصح أن يدرك شيئا أو يراه إلا بحاسة أو ما يجرى مجراها ، وأنه مفارق للقديم تعالى في ذلك
الّذي يدل على ذلك أن الواحد منا لا يصح أن يرى الشيء إلا بعينه إذا كانت صحيحة ، ومتى فقدناها أو لحقها فساد لا يصح أن نرى المرئيات . وكذلك حاله في سائر الحواس ، / فيجب أن يحتاج في رؤيته لما يراه إلى حاسة ، وأن يستحيل أن يرى الشيء دونها .
وإنما صح في القديم تعالى أن يرى الأشياء وإن تعالى عن جواز الحواس عليه ، لأنه حي لذاته ، فكما استغنى في كونه حيا عن الحياة ومحلها ، فكذلك يستغنى عن التوصل بمحل الحياة إلى إدراك المرئيات . وليس كذلك حال الواحد منا لأنه حي بحياة تحل في بعضه ، فيحتاج في إدراك المدركات إلى استعمال محل الحياة في إدراكها ، فيصير آلة له ، ويختلف حالها بحسب ما هي آلة فيه من إدراك المدركات كما نقوله في حاجته إلى الآلات في بعض الأفعال من حيث كان قادرا بقدرة ، وإن استغنى جل وعز عنها في الأفعال لكونه قادرا لنفسه .
وليس لأحد أن يقول : إن الرائي منا إنما يرى عند صحة حاسته ، ولولاها لم ير المرئيات بالعادة لا لأنه يستحيل أن يرى إلا بها ، وذلك لأنه إذا كان مع عدمها لا يصح أن يرى ، ومع وجودها يصح ذلك فيه ، فلو لم نقل بأنه يحتاج إليها في رؤية المرئيات مع جرى الأمر فيها على طريقة واحدة ، لأدى إلى إبطال تضاد الضدين بأن يقال إن البياض لا يحتاج إلى حدوثه في انتفاء السواد ، ولأدى إلى إبطال علة المعلول بأن يقال إن العلم يوجب كون العالم عالما بالعادة لا على سبيل الإيجاب ،