تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
ولجاز أن يقال إن صحة الفعل من القادر دون غيره بالعادة ، ولو شاء تعالى أن يجعل غير القادر بمنزلة القادر في ذلك لصح ، ولجاز / أن يقال إن استحقاق الذم على الظلم وغيره من القبائح هو بالعادة لا على سبيل الإيجاب . وما يلزم على هذا القول من التجاهل يكثر ، فيجب القول بفساده ، وفي فساده صحة ما قدمناه من أن الرائي منا يستحيل كونه رائيا إلا بحاسة ، كما يستحيل كونه عالما إلا بعلم ، وكون المحل متحركا إلا بحركة . وبعد : فإن الواحد منا يصح أن يدرك بكل محل فيه حياة الجواهر والحرارة والبرودة ، فلو لم يحتج في رؤية المرئيات إلى حاسة ، وكذلك في إدراك سائر المدركات ، لكان فساد الحاسة في أنه لا يخل بكونه مدركا للمرئيات كهو في أنه لا يخل بكونه مدركا للحرارة والبرودة ، والعلم بفساد ذلك يبين بطلان هذا القول . وبعد : فإن فزع الواحد منا في رؤية المرئيات إلى عينه كفزعه في الكلام إلى لسانه ، وفي المشي إلى رجله ، فلو صح أن يقال إنه يصح أن يرى لا بحاسة لصح أن يقال إنه يفعل الكلام والكتابة والمشي بلا آلة ، وهذا بين الفساد . وأما رؤية الواحد منا وجهه في المرآة وسائر الأجسام الصقيلة وإن لم يكن بصفة العين فلا يدل على الاستغناء في رؤية المرئيات عن الحاسة ، وذلك لأن ما يراه بالمرآة فإنما يراه بالعين في الحقيقة ، لكن الرؤية بها قد تكون على وجهين : أحدهما بلا واسطة ، والآخر بواسطة ، وإن كان كلا الوجهين يرجعان إلى وجه واحد في المعنى ، لأنه إنما يرى المرئى متى حصل لقاعدة شعاع عينه مع المرئى / حكم مخصوص ، وقد يحصل له ذلك من غير مرآة ، وقد لا يحصل إلا بمرآة . فلذلك احتاج في رؤية بعض المرئيات إلى المرآة ، كما يحتاج في رؤية جميع المرئيات إلى تعود الشعاع على وجه مخصوص ، وذلك يكشف عن صحة ما قلناه من حاجة الواحد