الواحد منا مدركا ، فليس ذلك لأنها طريق للإدراك ، بل المقتضى لكونه مدركا هو كونه حيا ، كما أن المقتضى لكونه فاعلا هو كونه قادرا ، وإن كان قد يحتاج إلى الآلة في بعض الأفعال ، فكذلك يحتاج إلى الحاسة في إدراك المرئى .
ومن قال إن الحاسة طريق للعلم ، ولم يرجع إلى كونه مدركا ، فقوله يبطل لتعليقه كونه عالما بما يختص المحل . ولا يصح أن يقال إن كونه عالما بالمرئى لا يصح إلا والحاسة / موجودة ، فالحاجة إليها هي من هذا الوجه . وذلك لأن علمه بالمرئى بعد فساد حاسته قد يكون على الوجه الّذي يحصل عليه مع صحتها ، فكيف يقال إنه يحتاج إليها لصحة كونه عالما بالمرئى ؟ وقد بينا من قبل أن العلم بالمدركات يصح وجوده مع فساد الحاسة فلا وجه لإعادته . وفي ذلك سقوط ما ظنه .
فإن قيل : أفليس صحيح الحاسة يطلب بتقليب عينه العلم بالمرئى ، فهلا دل ذلك على أنه طريق للعلم ؟
قيل له : إنما يطلب بذلك العلم به من حيث يطلب بذلك رؤيته ، فالرؤية طريق للعلم ، فيصير طالبا للعلم بواسطة ، وهذا مما نقول به .
ولولا أن الأمر على ما قلناه لم يجب أن تختلف الحواس التي تدرك بها المدركات ، لأن الرجوع في ذلك إذن كان إلى العلم ، وما تحتمل بعض العلوم من المحال تحمل سائرها ، فلما ذا يجب اختلاف الحواس ؟
وإذا كان العلم المطلوب مما يحل في القلب فهلا صح طلب العلم يجيع المدركات بالحاسة الواحدة إن لم يحتج إليها إلا في طلب العلم فقط . وبطلان ذلك يقتضي أنه يحتاج إليها في كونه مدركا ، وإن كان من حق المدرك ، إذا كان عاقلا ، أن يعلم المدرك لا محالة . ولا يمكن أن يقال إنه يحتاج إليها لحلول معنى فيها لا ليحصل مدركا للمدركات بها ، وذلك لأن المعنى الّذي قاله إن كان يوجب للجملة حالا فقد سلم
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 34
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٤