لتجويزهم مقدورا من قادرين ، أحدهما قديم ، والآخر محدث ، فيجب أن يجوزوا أن يكون معه جل وعز قديم ثان قادر بقدرة محدثة ومقدورهما واحد ، فلا يصح التمانع بينهما ، ولا يمكنهم دفع ذلك بأن يثبتوا استحالة كون مقدور واحد من قادرين ، لأن ذلك مما لا سبيل لهم إلى إبطاله مع قولهم بالكسب .
وأما المجبرة الذين ينفردون بالقول بالجبر ، فلا سبيل لهم إلى نفى ثان مع اللّه سبحانه لوجوه : منها أن من قولهم تجويز مقدور واحد لقادرين : أحدهما قديم ، والآخر محدث ، وذلك يمنعهم من العلم بأن المقدور الواحد يستحيل كونه مقدورا لقادرين قديمين لو كان للقديم جل وعز ثان ، والأدلة التي تعتمد في نفى الثاني مثبتة عليه ، فيجب أن يمنعهم ذلك من العلم بالتوحيد .
وقولهم : إنما نجوز كون مقدور واحد لقادرين على وجهين ، أحدهما كسبا ، والآخر اختراعا . فأما على وجه واحد فإنا نحيله / ، ولذلك نحيل مقدورا واحدا من قادرين مكتسبين ، وكذلك نحبل ذلك من قادرين مخترعين ، وإذا أحلناه صح الاعتماد على دليل التمانع فغلط ؛ وذلك لأنا لم ندع عليهم أن من صريح قولهم إثبات مقدور لقادرين على جهة الاختراع ، وإنما قلنا إن ما قالوه يمنعهم من العلم باستحالة مقدور لقادرين على كل وجه ؛ لأن الطريق الّذي به نعلم استحالة مقدور من قادرين على وجهين هو الّذي به نعلم استحالته على وجه واحد ، ولأن كل طريق يصح في ذلك ، فإنه ينتقض بتجويز مقدور من قادرين على وجهين كانتفاضه بتجويز مقدور من قادرين على وجه واحد ؛ وإذا كنا ألزمناهم على هذا الوجه ، فما قالوه لا يسقط لزومه .
على أن الّذي لأجله يحيلون إثبات مقدور لقادرين على جهة الاكتساب هو أن المكتسب يكسب في محل قدرته ، والمحل الواحد لا يصح وجود قدرة
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 343
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٤٣