أبدا ، ولا يحصل قادرا على وجه ، وهذا محال ؛ لعلمنا بصحة الأفعال منه جل وعز .
فقد ثبت أنه تعالى فيما لم يزل يختص بالحال التي لكونه عليها تصح الأفعال منه / ، وإن لم يصح وجود مقدوره فيما لم يزل . وإنما صح ذلك لأن القادر في كونه قادرا يتعلق بالمقدور ، ومن شرط صحة إيجاده لمقدوره اختصاصه بكونه قادرا ، وكون المقدور مما يصح وجوده ، ولهذا قلنا إن ما أحال وجود الفعل على كل وجه أحال كونه قادرا على كل وجه ، وما أحال كونه قادرا أحال وجود مقدوره .
وأجرينا القول فيها مجرى القول في العلة والمعلول ، فمتى عرض ما يمنع من وجود المقدور ، ولم يكن ذلك العارض مما يحيل وجوده على كل وجه ، لأنه كان يصح أن لا يحصل عارض فيصح وجوده ، فيجب أن لا يحيل ذلك كونه قادرا ؛ وكذلك متى امتنع وجود الفعل لأمر يختص الفعل في حال مخصوصة أن لا يحيل كونه قادرا إذا صح منه إيجاده في وقت سواه .
فإذا ثبت صحة كونه تعالى قادرا فيما لم يزل ، وفي سائر الأحوال ، وإن لم يصح أن يوجد مقدوره فيما لم يزل بأن يكون لم يزل حالا لوجود مقدوره ، لم يمتنع صحة كون الواحد منا قادرا وإن تعذر عليه الفعل .
وما يقوله شيخنا أبو علي رحمه اللّه من أن القادر بقدرة لا يخلو من الأخذ والترك لا يؤثر في هذا الباب ؛ لأنه إنما يوجب ذلك إذا ارتفعت الموانع وما يجرى مجراها ، ويجيز ، مع حصول المانع ، أن يخلو من الأمرين ، وإن كنا قد بينا نحن أن خلوه من الأخذ والترك يصح مع التخلية / كصحته مع الموانع .
على أن الدلالة قد دلت على أن القدرة غير موجبة ، وأنها سابقة للمقدور ؛ فإذا ثبت ذلك ، لم يمتنع كون الإنسان قادرا في الحال الأولى ، وإن لم يكن فاعلا ؛ وإذا صح ذلك ، وثبت أن وجود المقدور مع وجود ضده يستحيل ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 331
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٣١