واعلم أن هذا الدليل لا يصح لأنا إنما نقضي بنفي ما لا دليل عليه من جهة العقل ، لا لأنه لا دليل عليه ، لكن لأن إثباته يقتضي بطلان ما علم صحته ، أو يقتضي إثبات ما لا يعقل ، أو يقتضي كون الموجود في حكم المعدوم في إخراجه من أن يكون له حكم في الوجود . ألا ترى أنا نقول إن في إثبات معنى مع الحركة يوجب كون الجسم متحركا دون الحركة إخراج لها من أن تكون موجبة لذلك ، مع أن العلم بكونها موجبة لذلك قد حصل ، لأنه متى لم يصح كونها موجبا لم يصح كون ما قاربها موجبا ، لأن الحكم الموجب عند وجودهما حصل ، فصرفه إلى أحدهما دون الآخر لا يصح ، فثبت على كل حال أن الحركة موجبة ، وأن لها حظا في الإيجاب ، وتجويز معان أخر معها يؤدى إلى بطلان ذلك ، فيجب القضاء بفساده . وكذلك نقول في نفى وجود معنى سوى السواد ينفى البياض ، ونقول لمن ادعى أن المحبة معنى سوى الإرادة أن ذلك لا يصح إثباته ؛ لأنه لا يعقل . ومن ادعى في الجسم معاني أخر / من غير أن يشير إلى حكم يحصل له من أجلها يفسد قوله ؛ لأنه يؤدى إلى أن يكون وجودها كعدمها ، وذلك لا يصح لأنه لا بد من حصول حكم لها في حال الوجود ، أو صحة حصولها على وجه مخصوص لولا ذلك لم يكن وجودها إلا كعدمها .
وكل هذه الطرق لا تصح في إثبات الثاني القديم ؛ لأنه لا يصح أن يقال إن في إثباته إبطالا لشيء معلوم ، ولا أن وجوده كعدمه ، ولا أنه إثبات لما لا يعقل فكيف يصح التوصل بهذه الطريقة إلى نفيه ؟ وهل سبيل من أوجب نفيه من هذا الوجه إلا سبيل من نفى أن يكون في المتحرك حركة بمثل هذه الطريقة ؟ فإذا لم يصح ذلك ، فكذلك ما قاله . ومتى قال إن في إثباته إبطالا لما علم صحته من أن القديم لا يجوز أن يمنع ، أو لا يصح أن يتعذر عليه الفعل لا لمانع ، ففي هذا رجوع إلى ما ذكرناه نحن من الدليل .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 327
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٢٧