دليل آخر :
وقد استدل على ذلك بأن في / إثبات الثاني إثبات ما لا دليل عليه من جهة العقل ، وما لا دليل عليه يجب نفيه ؛ لأن إثباته يؤدى إلى الجهالات بأن نثبت في الأسود معان بها صار أسود غير السواد من غير دليل ، ويؤدى إلى أن يثبت من معلول العلل غير ما عقلناه ، وما أدى إلى هذه الجهالات وجب فساده ، وذلك يوجب كون القديم تعالى واحدا .
فإن قيل : أليس تجوزون في دار مبنية أن بانيها أكثر من واحد وإن لم يكن عليه دليل ، فجوزوا مثله في القديم ؟ قيل له : إن للعلم بأن للدار بانيين وثلاثة طريقا سوى الاستدلال ، وهو المشاهدة أو الخبر ، فلا يجب إذا لم يكن عليه دليل نفيه ، وليس للعلم بإثبات ثان قديم طريق سوى الدلالة لو كان معه ثان ، فإذا تعذرت وجب نفيه .
فإن قيل : جوزوا أن يعلم القديم الثاني من جهة السمع ، وإن لم يكن على إثباته في العقل دلالة ، كما قلتم مثله فيمن بنى الدار . قيل له : إن السمع لا يكون إلا كلاما للقديم تعالى ، ولا يصح أن تعلم صحته إلا وقد علم أن القديم واحد ، فكيف يصح أن يجعل طريقا إلى نفى ثان مع اللّه ؟
وقد أيد بعضهم هذه الدلالة بأن قال : إذا كان ما طريق العلم به الإدراك بالحواس وجب نفيه إذا لم يدرك مع سلامة الحاسة وارتفاع الموانع المعقولة لعدم الطريق الّذي به يتوصل إلى معرفته ، فما طريق العلم به / لدليل العقلي يجب أيضا نفيه إذا عدم فيه الدليل . وإنما قلنا إنه لا طريق في أدلة العقل عليه لما قدمناه من أن فعل أحدهما لا يختص به على وجه يمكن الاستدلال به عليه ، ولا طريق إلى معرفته إلا العقل ، ولا يصح أن يعلم باضطرار في حال التكليف ، فقد ثبت صحة ما قلناه .