العقليات ، في أنه يصح منه على الوجه الّذي كلف ، وإن لم يعرف المنعم عليه ، وذلك في المعرفة واجب ؛ لأن علمه باللّه لا يصح أن يكون متقدما له ؛ لأنه يوجب كونه متقدما لنفسه .
وبعد : فإن معرفة اللّه إنما صارت لطفا من حيث علم عندها استحقاق العقاب على القبيح ، والثواب على الحسن ، فيكون المكلف عند علمه بهما أقرب إلى اجتناب القبيح والإقدام على العبادة ، وذلك يتم له ، علم أن القديم جل وعز واحد لا ثاني له ، أو لم يعلم ذلك ، فالتعلق بجميع ذلك لا يصح .
وقال شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه إن الإنعام قد يستحق به الشكر على الجملة وإن لم يعرف المنعم عليه من يشكره على التفصيل ، فكذلك لا يمتنع عليه ما يستحق به العبادة وإن لم يعرف من يعبده على التفصيل إذا علم في الجملة المنعم عليه .
دليل آخر :
ومما استدل به على ذلك أن الصفة تدل على صانع واحد ، ولا تقتضى صانعا ثانيا ، كما لا تقتضى ما زاد عليه . وإثبات الثاني / كإثبات ثالث ورابع ، ثم كذلك أبدا إلى ما لا نهاية له ، وذلك فاسد ، فثبت أن القديم تعالى لا ثاني له .
ولقائل أن يقول : قد علم بالدليل استحالة ما لا يتناهى من القدماء ، وثبت الواحد ، فيجب القضاء بصحة هذين الوجهين ؛ فأما العدد المحصور فلا دليل على نفيه ، فيجب التوقف فيه ، كما يجب التوقف في سائر ما لا دليل عليه ؛ وإنما كان يتم ما قاله لو كان ماله بطل إثبات ما لا نهاية له من القدماء ثابتا في العدد المحصور ؛ فأما إذا لم يثبت فيه فارق حاله حاله ، وهذا كما يجوز وجود العدد المحصور من القادر ، ويحيل أن يوجد ما لا نهاية له .