صنع الآخر ، وذلك مفقود ؛ وإن قدر على ذلك ، ولم يفعله ، فهو عابث ؛ لأن من قدر على إظهار نعمه التي يستحق بها / الشكر والمدح من غير ضرر يلحقه ، فلم يفعله ، فيجب كونه عابثا ، وذلك لا يصح على القديم ، فيجب الحكم بأنه تعالى واحد لا ثاني له .
واعلم أن ما ادعاه من أنه يقدر على إظهار أياديه مسلم وما قاله من أنه يوصف بالقدرة على أن يبينها من أيادي غيره . فلقائل أن يقول : إن ذلك ليس بمقدور ، فلا يجب وصفه بالقدرة عليه ، لأن ما يقدر عليه أحدهما يقدر الآخر على مثله ، فلا يكون لأحد الفعلين من الاختصاص في باب الدلالة عليه ؛ لأن ما ليس للآخر فلا يمكن أن يعلم به فاعله معينا ، ولا يصح كونه دليلا عليه ، قصد إليه أم لم يقصد ؛ لأن القصد لا يؤثر في هذا الباب . فمتى علم من حال الشيء أنه لا يصح أن يدل على أمر من الأمور لم يتغير حاله بالقصد ، فلا يجب إذا لم يوصف بالقدرة على ذلك أن يكون عاجزا ، ويفارق حالهما حال القادرين منا ؛ لأن أحدهما قد ينفصل من الآخر المنعم عليه بوجوه سوى الفعل ، ولو لم يصح أن يعرف الفصل بينهما إلا بالفعل ، وعلم أن مثل ما يقدر عليه أحدهما يقدر عليه الآخر ، لم يصح وصف أحدهما بالقدرة على أن يبين صنعه من صنع صاحبه كما ذكرناه في القديمين .
وبعد : فلو ثبت أنه قادر على إبانة أياديه من أيادي صاحبه ، لم يمتنع أن يقال إنه يحسن منه أن ينعم وإن لم يبن ذلك من نعم صاحبه ، ولا يوجب ذلك كونه غنيا ؛ لأنه لما يختص به من النفع للغير يحسن وإن لم يبن من نعم غيره ؛ ولذلك يحسن الإنعام على من لا يعقل موضع / النعمة ، ولا يصح منه القيام بشكره ، كالأطفال والبهائم .
فإن قيل : أفليس القادر منا ، لو صح أن ينفع غيره على وجه يقتضي صحة معرفته بأنه المنعم دون غيره ، وصحة شكره إياه ، فلم يفعله على هذا الوجه كان
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 322
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٢٢