تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
حالها في ذلك حال العلل وسائر الأمور الموجبة لغيرها ؛ لأن ذلك لا يكشف عن حال ما يوجبه ، بل يوجبه في الحقيقة ، فلذلك يجب وجوده بوجوده ، أو حصول الموجب عنه بوجوده . وليس كذلك الدلالة ، فهي إذا بمنزلة العلم الّذي لا يصير معلومه على ما هو به لأجله . وإنما يتبين به حال معلومه ، وبمنزلة الخبر الصدق . فإن قيل : ما أنكرتم أن أحدهما يستحيل أن يريد ضد ما يريده الآخر : لأن إرادتي الضدين تتضادان ، فلا يصح وجودهما جميعا لا في محل ، ومن قولكم إن القديم لا يريد إلا بإرادة لا في محل ، وهذا يحيل ما اعتمدتم عليه في صحة التمانع بينهما . قيل له : إن الصحيح عندنا أن إرادة الضدين لا تتضادان ، ولا يمتنع وجودهما جميعا ، وإنما لا يصح من أحدنا أن يريد الضدين ، لأن دواعيه لا تدعوه إلى إيجاد الضدين لعلمه باستحالة وجودهما ، وإنما يريد ما يدعوه الداعي إلى إيجاده دون الآخر ، والإرادة / تتبع المراد ، فما دعاه إلى المراد يدعوه إلى الإرادة ؛ فلذلك لا يصح أن يريدهما جميعا ، ولذلك لو اعتقد فيهما أنهما مما يصح وجودهما ، وأنهما ليسا بضدين ، كان لا يمتنع أن يريدهما جميعا ، ولو كانا ضدين ، لاستحال وجودهما ، ولم يتغير ذلك باعتقاد المريد . ولذلك يصح من أحدنا أن يريد من غيره الضدين لما لم يتعلق فعل غيره بدواعيه نحو إرادته أن يخرج من البيت من أبوابه ، وإن كان خروجه منها يتضاد . فإذا ثبت ذلك ، لم يمتنع كونهما مريدين للضدين بإرادتين توجدان لا في محل في حالة واحدة . على أن من قال إن إرادتي الضدين تتضادان ، فإنه يزيل هذه المسألة عن نفسه بأن يقول : لو حاول أحدهما إرادة الشيء ، وحاول الآخر إرادة ضده ، كان لا يحلو القول فيهما من وجوه ثلاثة ، ويرتب الدلالة على النسق الّذي ذكرناه ويجعل الإرادتين بمنزلة الحركة والسكون ، ويعدل عن ذكرهما إلى ذكر