وتساق الدلالة ، فإنما الغرض في الدلالة ذكر ضدين قد علم امتناع وجود أحدهما لأجل وجود الآخر / .
ولذلك قال شيوخنا إن التمانع يصح في كل ضدين ، ولا يعتبر في صحة ذلك فيهما بجنسهما ، ولا بسائر أوصافهما ، ولا باختلاف الوجوه التي يحدثان عليها من جهة القادر عليهما . ولذلك قالوا إن التمانع يصح في المتولدين ، وفي المباشرين ، لو صح تضادهما مع كونهما مقدورين لقادرين ، ويصح في المباشر والمتولد ، ويصح في المخترعين لو ثبت قادران مخترعان « 1 » ، ويصح في أفعال القلوب كصحته في أفعال الجوارح . ولذلك لو سكن القوى يد الضعيف لمنعه من تحريكها ، ولو فعل جل وعز في قلب أحدنا الكراهة للشئ لامتنع عليه فعل إرادته ، ولذلك يمتنع علينا فعل ضد العلوم الضرورية . وإذا صح ذلك ، فقد سقط ما رام به القدح في السؤال .
وكان شيخنا أبو إسحاق رحمه اللّه يجيب عن هذا السؤال بطريقة واضحة ، وهو أنه كان يقول : إن الإرادة إنما تدعو المريد إلى فعل المراد متى كانت من فعله ، ومتى كانت من فعل غيره لم يكن لها هذا الحظ ؛ لأنه لا يعتبر في ذلك بكون المريد مريدا ، وتكون بمنزلة الشهوة إذا كانت من فعل الغير فيه . يبين ذلك أنه جل وعز لو فعل في قلب الجائع منا الإرادة لترك الأكل ، وأعلمه ماله في الأكل من المنفعة ، وما عليه في تركه من المضرة ، لوقع منه الأكل ، ولم يكن لها تأثير ، ولو فعل اللّه سبحانه في الواقف بين الجنة والنار العلم بما فيهما إرادة دخول النار وكراهة دخول الجنة ، لم يقع منه إلا دخول الجنة لعلمه بما في ذلك من النفع العظيم ، وبما عليه في دخول النار / من الضرر الدائم .
هامش
( 1 ) في نسخة دار الكتب المصرية : قادرين مخترعين .