فإذا صح ذلك ، فلو كان مع اللّه تعالى قديم ثان ، وأراد أحدهما تحريك الجسم بأن فعل الإرادة للحركة ، وأراد الآخر تسكينه بأن فعل إرادة السكون ، لوجب كون كل واحد منهما مريدا بالإرادتين ، وذلك لا يخرجهما من أن يكون كل واحد منهما فعله لما فعله من الإرادة بدعوة إلى إيجاد المراد ؛ والتمانع إذا يصح بينهما ، والحال هذه ، كصحته لو اختص كل واحد منهما بكونه مريدا لأحد المرادين دون الآخر .
ومما يسقط هذا السؤال ، مما لم يذكره الشيوخ ، أن كل واحد منهما ، وإن أراد ما يريده الآخر ، فالتمانع بينهما صحيح ، لأن الحركة التي أرادها أحدهما تختص بكونها مقدورة له ، فإرادة الآخر لها لا تدعوه إلى إيجادها من حيث لم يكن قادرا عليها ، والسكون الّذي أراده الآخر قد اختص بكونه قادرا عليه ، وإرادة الآخر له لا تدعوه إلى إيجاده . وإذا ثبت ذلك : عاد الأمر في أن كل واحد منهما ، وإن أراد ما يريده صاحبه ، فهو في الحكم كأنه مريد لما تعذر عليه فقط من حيث لا تدعوه الدواعي من إرادة وغيرها إلا إليه ، فهو بمنزلته لو لم يرد إلا مقدور نفسه ، وذلك يسقط السؤال .
فإن قال : إنما أبطلت بهذا السؤال قولكم لو أراد أحدهما تحريك الجسم وأراد الآخر تسكينه ، لأن هذا القول لا يصح مع قولكم إن كل واحد منهما يريد الحركة والسكون جميعا قيل له : إن قولنا لو أراد أحدهما تحريك جسم لا ينفى كونه مريدا لتسكينه ، ولا يقتضي وجود الإرادة على وجه يريدان / جميعا بها ؛ لأنا إنما قدرنا كونه مريدا لا أنا أثبتنا وجود الإرادة فيما تعلقت به الدلالة ، وصح التمانع بينهما في كل ضدين أشير إليهما .
فإن قيل : لو وجب صحة وقوع التمانع بينهما لما ذكرتموه ، لوجب مثله في القديم
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 286
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٨٦