تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
إنما تصير محمولة بأن يفعل في كل محل منها بعدد أجزاء جميعا من الحمل إذا كانت ثقيلة ، أو بعدد ما في جملتها من الاعتماد ، فلو لم يتناه مقدور القادر منا ، لم يكن هناك وجه يتعذر عليه لأجله حمل الأجسام العظيمة ، بل كان يجب أن يكون حاله في صحة ذلك منه حال القديم سبحانه ، وكان يجب أن لا تختلف أحوال القادرين منا فيما يصح منهم إيجاده ؛ لأن من قلت قدرته ، ومن كثرت قدره ، يقدر على ما لا نهاية له من كل وجه ، وكان يجب أن لا يصح أن يضعف تارة ، / ويقوى أخرى ، وفي علمنا بفساد ذلك دلالة على أن مقدوراته متناهية . وإذا صح ذلك ، وعلم أن أحوال القدر فيما يتعلق به من الأجناس ، وفي كيفية تعلقها ، إنما يتعلق به ، وكيفية إيجاد الفعل بها لا يختلف ، وإن اختلفت ذواتها على ما سلف القول فيه ، فيجب القضاء في كل قادر بقدرة أنه متناهي المقدور ، كالقادر منا . وإذا صح ذلك ، ثبت ما أردناه من أنه لو كان مع اللّه عز وجل قادر ثان ، ويكون المعلوم من حاله أن مراده لا يوجد ، لوجب كونه متناهي المقدور ؛ لأنه لو لم يتناه مقدوره ، لم يكن وجود مراد القديم بأولى من وجود مراده ، وإذا وجب كون مقدوره متناهيا ، وجب كونه قادرا بقدرة على ما بيناه . واعلم أن دلالة التمانع لا تفتقر إلى بيان الكلام في أن القدرة لا تتعلق إلا بمقدور واحد ، من جنس واحد ، في وقت واحد ، في محل واحد ، وإنما تفتقر إلى بيان الكلام في أن القدرة يجب أن تتناهى مقدوراتها ، فلو ثبت أنها تتعلق في الوقت الواحد ، من الجنس الواحد ، في المحل الواحد ، بمائة جزء ، أو بعشرة أجزاء ، لكان دليل التمانع يصح معه كصحته إذا تعلقت بجزء واحد في الوجه الّذي ذكرناه . فلذلك لم ندل في هذا الموضع على أنها لا تتعلق إلا بجزء واحد في الوجه الّذي بيناه ، ونحن ندل على ذلك عند الحاجة إليه ، وإنما نبين الآن ما تمس الحاجة إليه في نصرة دليل التمانع .