فصل في أن تناهى المقدور يوجب كون القادر قادرا بقدرة
فأما ماله قلنا إن تناهى المقدورات يوجب كون القادر قادرا بقدرة ، فهو لأن القادر لا يصح أن يكون إلا قادرا لنفسه ، أو قادرا بقدرة . وقد دللنا على ذلك من قبل ، حيث بينا أن القادر إما أن يكون قادرا في حال يوجب كونه قادرا ، وذلك يقتضي كونه قادرا لنفسه ، أو يكون قادرا في حال يصح أن لا يكون قادرا فيها ، وذلك يوجب كونه قادرا بقدرة ، ولا واسطة لهذين يصح كون القادر قادرا عليها . وقد بينا أيضا أن القادر لا يصح أن يكون إلا القديم سبحانه ، أو الجسم ، وبينا أن الجسم لا يصح / كونه قادرا إلا بقدرة ، وأن القديم لا يصح أن يكون قادرا إلا لذاته . فإذا ثبت ذلك ، وقد دللنا على أن القادر لنفسه يجب أن لا تتناهى مقدوراته ، فيجب أن يكون الّذي تتناهى مقدوراته ليس إلا القادر بقدرة .
فإن قيل : ولم قلتم إن القادر بقدرة يجب ذلك فيه ؟ وهلا جوزتم أن يكون في القادرين بقدرة من لا نتناهى مقدوراته ، وإن كان فيهم من يتناهى مقدوره ، كما أن أحوال القادرين في الجملة تختلف ، ففيهم من يقدر على أجناس يستحيل كون غيره من القادرين قادرا عليها ؟ قيل له : إن الدلالة قد دلت على أن القادر منا ، من حيث كان قادرا بقدرة ، يجب تناهى مقدوراته ؛ ولذلك يتعذر عليه حمل الأجسام العظيمة ، ولو لم يكن متناهي المقدور في الوقت الواحد في الجنس الواحد ، في المحل الواحد : لم يتعذر عليه حمل شيء يريده من الأجسام ؛ لأن الأجسام