في وجوب التماثل : ألا ترى أن ما شارك الجوهر في التحيز هو بمنزلة أن يشاركه فيما يختص به الجوهر في وجوب التماثل ، ولو كان معه قديم ثان لاقتضى اشتراكهما في القدم اشتراكهما فيما يختص به لذاته ، فيجب ، إذا كان ما هو عليه في ذاته اقتضى كونه قادرا على مقدورات ، أن يقتضي ما عليه الآخر مثله ، وإلا أدى إلى كونه مخالفا له على ما سلف القول فيه .
وقد كان شيخنا أبو إسحاق رحمه اللّه لا يرتضى هذه الدلالة / ، ويعترض عليها بأشياء نحن نذكرها ، ونجيب عنها :
منها أنه كان يقول : إنما أوجب تغاير مقدور القدرتين اختلافهما ، وكون مقدورهما واحدا ، ولو صح ذلك فيهما لوجب تماثلهما من حيث كان تعلقهما بالمقدور تعلق الأعراض : ألا ترى أنا نستدل على ذلك بأن نقول : إذا تغاير مقدورهما ، فما ينفى أحدهما لا ينفى الآخر ، وذلك يدل على اختلافها . وإذا كان مقدورهما واحدا ، فما ينفى أحدهما ينفى الآخر إذا تعلقا بقادر واحد .
وهذا المعنى لا يصح في القادرين لأنفسهما ، ولا يجب أن يكون حالهما في ذلك حال القدرتين .
ومنها أن القدرتين إنما يجب بتماثلهما كون مقدورهما واحدا ؛ لأنه لو تغاير مقدورهما مع تماثلهما ، لأدى إلى كون القادر بهما ممن يصح أن يقدر على الشيء وبعجز عنه بأنه يوجد ما ينفى أحدهما دون الآخر ، وذلك إنما صح فيهما لأنهما أوجبا الحكم لغيرهما ، ولا يصح ذلك في القادرين .
ومنها أن تعلق القادر بالمقدور في أنه يفارق تعلق القدر وغيرها من الأعراض بمتعلقاتها بمنزلة مفارقة تعلق الجوهر بما يحل فيه لتعلق القدرة بغيرها . فإذا لم يصح أن نجعل تعلق الجوهر بما يحل فيه في صحة اعتبار التماثل
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 271
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٧١