فيما يختص به ، لم يخرج من أن يكون قادرا على ما لا نهاية له لذاته ، فيكون بذلك مخالفا لما خالفه . وليس كذلك لو كان معه قديم ثان ، لأنه لو لم يقدر على نفس ما يقدر عليه الآخر ، لأدى إلى أن يكون قادرا لذاته على مقدورات لا يقدر الآخر على شيء منها . وهذا يوجب كونه مخالفا له .
فإن قيل : أليس من حق كل قادرين أن يصح أن يمانع أحدهما الآخر ، وما أحال وقوع التمانع بينهما يحيل كونهما قادرين ، ولا ينفصل في ذلك حال بعض القادرين دون بعض ؛ لأن ذلك راجع إلى كون القادر قادرا دون غيره ، وذلك يحيل ما ذكرتموه من وجوب كون مقدور القادرين لنفسيهما واحدا ؟ قيل له :
إن ما ذكرته من صحة التمانع من كل قادرين صحيح إذا تغاير مقدورهما . فأما إذا كان مقدورهما واحدا ، فذلك محال . فإن ادعيت أن العلم بصحة التمانع بين كل قادرين واجب ، كان مقدورهما واحدا ، أو متغايرا ، فأنت مبطل في ادعائك ، محيل فيه ؛ لأن مع كون مقدرهما واحدا ، يستحيل التمانع ، كما يستحيل من القادر الواحد أن يكون مانعا لنفسه ، وإن ادعيت ذلك في القدرين منا ، وسائر من يثبت تغاير مقدوراتهم ، فذلك صحيح مسلم ، ولا اعتراض به على الكلام .
وبعد : فلو صح ما ذكرته ، لكان مؤكدا لما اعتمدناه / ؛ وذلك أنه إذا تقرر في العقول أن من حق القادرين أن يصح التمانع بينهما ، فكل قول يبطل ذلك يجب فساده ، والقول بأن مع اللّه قادرا ثانيا لنفسه ، يوجب كون مقدورهما واحدا ، وذلك يحيل التمانع بينهما ، فيجب فساده وفساد ما يؤدى إليه . فقد صح أن ذلك مما يزيد الدليل تأكيدا وقوة .
فإن قيل : إذا صح عندكم كون القادر لنفسه قادرا على مقدوراته أجمع لاختصاصه بحال واحدة كما تذكرونه في القدرة ، فجوزوا أن يكون معه ثان قادر
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 269
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٦٩