وما قاله رحمه اللّه من أن الّذي أوجب في القدرتين الاختلاف ، إذا تغاير مقدورهما ، أن ما ينفى أحدهما لا ينفى الآخر إذا كان ذلك حالهما ، ولا يصح ذلك في القادرين ، فلا يصح . وذلك أن كون أحد الشيئين منتفيا بما ينفى به الآخر لا يوجب تماثلهما ، وإنما يستدل بذلك على تماثلهما ، فهو طريق معرفة التماثل ، لا أن به يقع التماثل . وإنما يجب تماثل القدرتين لو تماثلتا لاشتراكهما فيما هما عليه في الذات ، ويجب اختلافهما لافتراقهما فيما هما عليه في الذات . فإذا شارك القادر لنفسه القدرة فيما يوجب فيهما التماثل والاختلاف وجب ذلك فيه وإن فارقها في طريق معرفة التماثل ؛ لأن الحكم الواحد قد يثبت في الذوات الكثيرة بأدلة مختلفة . يبين ذلك أن في الأعراض المتعلقة بغيرها ما لا دليل على أن له ضدا كالنظر وغيره ، ولم يخل ذلك بصحة ما ذكرناه فيه من اعتبار التماثل والاختلاف .
وأما قوله رحمه اللّه إن القدرتين لو تعلقتا بمقدور واحد لكان يجب تماثلهما من حيث لو اختلفتا لأدى إلى صحة كون القادر بهما قادرا على الشيء عاجزا عنه .
وإنما كان يعترض ما قلناه ، لو حملنا القادرين لأنفسهما على القدرتين بهذه العلة ، فأما إذا حملناهما على القدرتين من وجه آخر ، وهو الّذي قدمناه / ، فالاعتراض بذلك عليه لا يصح .
يبين ذلك أنه رحمه اللّه كان يقول إن تماثل السوادين يعلم بالإدراك ، ثم يوجد منه اعتبارا ، أو يجرى فيما لا يدرك ، وهو أنه إذا كان ما ينفى أحدهما ينفى الآخر إذا تعلقا بمحل واحد ، وجب تماثلهما ؛ لأنه قد علم أن ما ينفى الشيء لا ينفى ما خالفه ، ووجدت هذه العبرة في العلمين بمعلوم واحد على وجه واحد ، ووجب الحكم بتماثلهما . وإذا علم ذلك فيهما أجرى هذا الاعتبار في القدرتين بأن يقال : لو كان مقدورهما واحدا ، لوجب أن يكون حالهما في التماثل حال
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 273
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٧٣