قيل له : إن الشهوة تقتضى صلاح الجسم متى نال ما يشتهيه على الوجه الّذي يشتهيه ، ولا يجوز أن تلحقه مضرة والحال هذه ، وإنما يستضر بذلك متى ناله لا على الوجه الّذي يشتهيه ، أو ناله مع ما لا يشتهيه ، أو تلحقه المضرة لكونه في جسده على بعض الوجوه ، لا من حيث ناله وهو مشته له . لذلك نجد حذاق الأطباء يجعلون من إقبال علامة العافية شهوة العليل للغذاء . ولولا أن الأمر على ما ذكرناه لم يعرف الفرق بين ما يغتذى به وينتفع بنيله وبين ما خالفه . وأما الدواء فإنا ننتفع به لا لأنه يغذو ، وكيف يقال ذلك فيه وهو يخلخل الجسد ويورث الضعف ؟ ولذلك نجد حذاق الأطباء لا يعدلون إلى الأدوية ما وجدوا السبيل إلى حفظ الصحة بالأغذية ، لما في تناول الأدوية من الضعف وفساد الجسم في الحال ، ولذلك لو دام تناول الأدوية لأداه إلى التلف ، فقد صح بهذه الجملة أن الشهوة من حقها ما ذكرناه .
فإن قيل : ولم قلتم إن الشهوة تتعلق بما يقتضي زيادة في الجسم مع قولكم إن الزيادة الحاصلة هي من فعل اللّه سبحانه ؟ وكيف يصح ذلك وهذه الزيادة هي جواهر موجودة لا تأثير للشهوة / فيها ، وحصولها مؤتلفة وحاصلة في تضاعيف جسمه ، لا يرجع به إلا إلى التأليف ، ولا تعلق للشهوة به . فإذا ثبت ذلك ، ولم تكن الزيادة ولا التأليف موجبا عنها ، ولا لها بهما تعلق ، فيجب أن تجوزوا الشهوة على من يستحيل ذلك عليه ، وتجعلوها مقصورة على الأجسام .
قيل له : إن الزيادة إن لم تكن موجبة عنها ، فلولاها لما صح على الوجه الّذي تكون صلاحا عليه لجسمه ، وكل معنى يصح عنده ما لولاه لما صح ، فيجب أن تستحيل على من لا تصح عليه ولا تحصل عنده . ألا ترى أن القدرة وإن كانت لا توجب الفعل فإنها لا تصح إلا على من يصح الفعل منه لما اقتضت صحة الفعل . وأما ما ذكرته من أن هذه الزيادة هي من فعل اللّه سبحانه ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 27
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٧