الدلالة تدل على أنه لا يصح أن يلتذ وينتفع وإن لم يرجع بذلك إلى الشهوة ، وكان شيخنا أبو إسحاق رحمه اللّه يعول على ذلك ، وهو السابق إلى استخراجه .
وقد استدل شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه على استحالة الشهوة على اللّه تعالى بأن الشهوة من حقها أن لا تتعلق إلا بما إذا ناله المشتهى ربا جسمه عليه واغتذى به وصح كونه زيادة في جسمه : يبين ذلك أن أنواع الحيوان على اختلافها لا يشتهى كل نوع منه إلا ما يحصل له هذا الحكم ، ولا يحصل له هذا الحكم فيها إلا بما تشتهيه ، ولذلك تغتذى البهائم بما لا يصح أن يغتذى به الحي منا ، ويغتذى أحدنا بما لا تغتذى هي به .
وإنما اختلفت الحال في ذلك لاختلاف الشهوة ، فعلم بذلك أنها مقصورة على ما ذكرناه : يبين ذلك أن جميع القادرين على اختلافهم واختلاف قدرهم قد اشتركوا في أنه يصح من كل واحد منهم فعل ما قدر عليه من حيث كانت القدرة لجنسها تقتضى صحة الفعل ، فاستحالت إلا على من يصح الفعل منه ، فكذلك الشهوة إذا كانت على اختلافها قد اشتركت في أنها تقتضى في المشتهى صلاح جسمه وصحة الزيادة فيه بنيل المشتهى ، فيجب أن لا تصح إلا على من تصح الزيادة عليه والنقصان .
فإن قيل : ولم قلتم إن الشهوة لا تتعلق إلا بما فيه صلاح جسمه ، وقد وجدتم المشتهى قد تلحقه المضار بنيل ما / يشتهيه ، ولذلك يؤمر العليل بتوقى ما يشتهيه ، ويجعل كف النفس عن الشهوات من أسباب صلاح الأجسام ومواقعة الشهوات من آفاتها ؟ وكيف يصح ما ذكرتموه ، وقد علم أن البدن يصلح على تناول الأدوية التي تنفر منها الطباع ؟ فكيف يقال إن نفور الطبع يقتضي فساد الجسم ، كما أن الشهوة تقتضى صلاحه ؟
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 26
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٦