فصل في ذكر الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون مع اللّه جل وعز قديم ثان
الّذي يدل على ذلك أنه لو كان معه ثان قديم لوجب كونه قادرا لنفسه ؛ لأن الدلالة قد دلت على أن القديم قادر لنفسه على ما قدمناه . وقد بينا أن القديم قديم لنفسه ، وأن ما شاركه في كونه قديما فيجب كونه مثلا له ، ومن حق المثلين :
إذا استحق أحدهما صفة لذاته / ، أن يستحقها الآخر ، وإلا أوجب ذلك كونه مثلا له مخالفا له ، وقد بينا بطلان ذلك . فإذا ثبت ذلك .
فلو كان معه جل وعز قديم ثان ، لوجب كونه قادرا لنفسه ، ولو كان معه قادر ثان لنفسه ، لوجب كون مقدورهما واحدا ؛ لأن ذات أحدهما كذات الآخر ، ولذاتهما يتعلقان بالمقدور . فإذا كان أحدهما يتعلق بمقدور بعينه ، وذات الآخر كذاته ، وجب تعلقه به ؛ لأنه لو لم يتعلق به لأدى إلى كونه مخالفا له من حيث لم يتعلق بما تعلق به الآخر لذاته . يوضح ذلك أن كل معنيين تعلقا بغيرهما لذاتهما ، فيجب أن يتعلق أحدهما بنفس ما يتعلق به الآخر ، ومتى تعلق أحدهما بشيء دون الآخر ، أنبأ ذلك عن اختلافهما ، فلو لم يكن مقدورا لقادرين لنفسهما مقدورا واحدا ، لأدى ذلك إلى كونهما مختلفين من حيث تغاير مقدورهما ، ومتفقين من حيث كان قديمين وقادرين لأنفسهما ، وهذا مما قد بينا فساده .
وقد علم أن كون المقدور الواحد لقادرين محال ، فيجب إذا نفى قديم ثان مع اللّه ؛ لأن القول بإثباته يؤدى إلى أمور : إما أن يقال إنه ليس بقادر لنفسه ،