وليس لأحد أن يعترض هذا الفصل بأن يقول : قد ثبت في الملجأ علة تخرجه من استحقاق الذم والمدح ، ولم يثبت ذلك في الكاره من القادرين ، فيجب أن يستحق الذم على ذلك ؛ وذلك لأن الوجه الّذي ثبت في الكاره من القادرين أقوى في إخراجه من أن يستحق الذم من الإلجاء ؛ لأن مع إيجاد الآخر للفعل يستحيل أن لا يكون فاعلا له ، كما أن مع الإلجاء لا يصح أن لا يفعله . وقد يتغير حال الإلجاء فيخرج من أن يكون إلجاء في الحقيقة ، وحال الكاره من أحد القادرين لا تتغير على وجه في وجوب كونه فاعلا إذا أوجد للآخر مقدوره ، فبأن يخرجه من أن يستحق الذم أولى .
وقد استدل أيضا على ذلك بأنه كان يجب إذا أراد أحدهما الفعل / وكرهه الآخر ، أن يكون مدخلا له في فعل مقدوره الّذي قد بذل مجهوده في الانصراف عنه . وإدخال القادر في فعل مقدوره لا يصح ؛ لأن ذلك في المعنى ينقص كونه قادرا . وهذا يوشك أن يكون مراده به ما اعتمدناه ، لأنه قد نبه في كثير من المواضع عليه . ومتى لم يرد به ذلك كان لقائل أن يقول : إن أحدهما يدخل الآخر في الفعل ، إن لم ترد بقولك يدخله في الفعل أكثر من أنه يصير فاعلا لما هو كاره له ، ومتى التزم ذلك ، احتيج في إبطال قوله إلى الرجوع إلى أمر سواه . وقد استدل على ذلك بأدلة أكثرها إنما يدل على أن المقدور الواحد لا يجوز كونه مقدورا للقديم والمحدث ، ونحن نبين ذلك في موضعه . فإذا صحت هذه الجملة ، فلو كان مع القديم قادر ثان ، لوجب أن لا يكون مقدورهما واحدا لما قدماه من الأدلة .
وليس لأحد أن يقول : إن ذلك إنما يستحيل في القادرين المحدثين دون القديم ؛ لأن الدلالة التي أوردناها لا تختص قادرا من قادر ، بل تقتضى استحالة
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 265
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٦٥