موجودا متى وجد من جهته ، ومن جهة كل من يقدر عليه . فأما إذا وجد من جهة أحدهما ، لم يجب كونه موجودا ، وفساد ذلك يقضى بفساد الأول .
وليس لأحد أن يقول : إنهما وإن قدرا على شيء واحد ، فإنه لا يتفق أن تختلف دواعيهما أو إرادتهما ؛ وإذا لم يختلف ذلك منهما ، لم يصح ما اعتدتموه ؛ وذلك لأن بناء الكلام على صحة ذلك فيهما دون وقوعه ، والمعلوم من حالهما صحة ذلك منهما ، اتفق وقوعه أو لم يتفق ؛ ومتى صح ذلك ، وكان صحته تؤدى إلى ما ذكرناه من الفساد ، حل في باب الدلالة محل وقوع ذلك منهما .
وقد استدل شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه على أن المقدور الواحد لا يجوز كونه مقدورا لقادرين بأن قال : « لو صح ذلك ، كان لا يمتنع أن يفعل أحدهما القبيح ، وإن بذل الآخر مجهوده في أن لا يفعله ، وهذا يؤدى إلى أن يستحق من بذل المجهود في الانصراف عن القبيح الذم ، وقد علمنا فساد ذلك ، ويؤدى إلى أن أحدهما لو فعل الواجب لوجوبه أن يستحق الآخر المدح ، وإن اجتهد في الانصراف عنه . /
ولقائل أن يقول على هذا الدليل : إذا جاز عنده رحمه اللّه أن يريد الملجأ الفعل ، ويفعله وإن لم يستحق الذم عليه ، أو المدح من حيث لم يقع منه على الوجه الّذي يقع من المطلق المخلى ، فهلا جاز في القادرين ، إذا قدرا على الفعل ، أن يريد أحدهما الفعل ، ويكرهه الآخر ، ولا يستحق الكاره منهما الذم ، وإن كان فاعلا له ، كما لا يستحق الملجأ إلى الفعل الذم ، وإن كان فاعلا له ؟ وحال هذا آكد من حال الملجأ ، لأن الإلجاء لا يخرج الفعل من أن يكون الملجأ منفردا به ، ولم يستحق مع ذلك الذم ، فبأن لا يستحق الكاره منهما ذلك ، مع أنه لم ينفرد بالفعل ، أجدر .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 264
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٦٤