والآخر إلى أن لا يوجده ، أحد أمرين : إما أن يوجد من حيث دعا أحدهما الداعي إلى إيجاده ، وذلك يوجب كونه فعلا للآخر ، وإن اجتهد في الانصراف ، / أو لا يوجد لأن أحدهما دعاه الداعي إلى أن لا يوجده ، وذلك يوجب نفى كونه فعلا لمن اجتهد في إيجاده مع التخلية وهذا يبطل الطريق الّذي يعلم به كون الفعل فعلا لفاعله ونفى كون الفعل عن القادر عليه .
وليس لأحد أن يقول : إن دواعي القادرين المحدثين يصح أن تختلف .
فأما القادران القديمان ، فإن دواعيهما يجب أن تتفق لكونهما عالمين بأنفسهما ، وعلم كل واحد منهما بما يعلمه صاحبه مما فيه الصلاح والنفع للخلق وغير ذلك من أحوال الأفعال ، وذلك يبطل تعلقكم بما ذكرتموه . وذلك أن في أحوال الأفعال ما يصح أن يدعو أحدهما إلى فعله دون الآخر ، كنحو كون الشيء حسنا ، وفي حكم المباح ، لأن ما هذا حاله لا يمتنع أن يكون علم أحدهما بحاله داعيا له إلى الفعل دون الآخر ، كنحو العقاب وما شاكله ، وذلك يصح ما قدمناه .
وقال شيخنا أبو عبد اللّه رحمه اللّه : إن الاعتماد في هذه الدلالة على الدواعي أولى من الاعتماد على ذكر الإرادة والكراهة ؛ لأن من حقهما أن يتبعا الدواعي وتعقل الإرادة لما له يفعل الفعل ، لا أن الفعل يفعل للإرادة ، ولأنه لو ذكرت الإرادة ، لكانت إنما تدل من حيث تنبئ عن كون المريد ممن يدعوه الداعي إلى فعل المراد ، فالتعلق بنفس الدواعي أولى ، لا أنه لو تعلق بالإرادة والكراهة في هذا الباب لم يصح ، بل كان يكون صحيحا من حيث ثبت أن من حق المريد أن يوحد مراده مع / التخلية ، ومن حق الكاره لمقدوره أن لا يوجد منه ذلك مع التخلية . فإذا صح ذلك ، فلو قدر القادران على مقدور واحد ، كان لا يمتنع أن يريد أحدهما إيجاده ، ويكرهه الآخر ؛ فلو وجد ، والحال هذه ، لأدى إلى
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 262
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٦٢