وجه يوجب كونه ملجأ ويقال إنه لا يجب أن يفعله ، لأن القول بأنه لا يجب أن يفعله يمنع من كونه ملجأ على ما قدمناه . وإذا وجب أن يفعل في المستقبل ، فيجب أن يثبت في تلك الحال ملجأ إليه لا فيما لم يزل . فأما إذا وجب كونه على صفة الملجأ فيما لم يزل ، فيجب أن يفعل في الثاني ، وفي ذلك ما قدمناه من الفساد .
فإن قيل : أوليس الواحد منا / قد يصبر بصفة الملجأ من كونه مشتهيا للشيء وإن لم يجب أن يفعل المشتهى ، فلم أوجبتم ما قدمتموه من أنه تعالى لو كان مشتهيا لوجب أن يفعل لا محالة ؟
قيل له : إن صفة الملجأ قد تحصل ، ويعرض ما يخرجه من كونه ملجأ ؛ والّذي اعتمدناه أنه متى حصل بصفة الملجأ ، ولم يحصل ما يخرجه من كونه كذلك فيجب أن يفعل لا محالة ، وهذه القضية مستمرة في الشاهد والغائب .
وبعد ، فلا اعتبار بالعبارات في هذا الباب وقد علمنا أن الدواعي إلى الفعل إذا قويت فلا بد أن يفعل القادر ما يقدر عليه إذا لم يعرض ما يؤثر في تلك الدواعي ولذلك قلنا إنه تعالى في أنه لا يجوز أن يختار فعل القبيح ، بمنزلة الملجأ منا إلى أن لا يقتل نفسه ولا يضربها ، وكان يجب ، لو كان تعالى مشتهيا ولا ضرر عليه في فعل المشتهى ونيله ، أن يكون لعزة دواعيه يجب أن يفعل ذلك ، وإن لم يبلغ مبلغ الإلجاء ، وهذا يوجب ما قدمناه ، كما ألزمنا مثله أصحاب الأصلح ، وإن لم يقولوا إنه تعالى ملجأ إلى الأصلح ، وإنما جعلوه واجبا عليه . فقد صح أن ما اعتمدنا عليه صحيح ، قيل بأنه ملجأ إلى الفعل أوليس بملجإ إليه .
فإن قيل : هلا قلتم إنه تعالى لا يفعل ذلك فيما لم يزل وإن كان له فيه نفع لأن عليه في فعله كلفة ومشقة ؟
قيل له : إن المشقة تلحق الفاعل في فعل الشيء لأنه نافر الطبع عن الفعل أو
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 23
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٣