وليس لأحد أن يقول : إن تساويهم في ذلك يجرى مجرى اشتراكهم في الكون في الجنة ، وإن اختلفت منازلهم في الطاعة والثواب ؛ وذلك لأن الثواب ليس هو كونهم في الجنة ، وإنما هو ما يملكونه من الجنة مما يتصرفون فيه ، وحالهم في مقادير ذلك يختلف بحسب طاعتهم . ولا يمكن أن يقال مثله في الرؤية لأن عندهم أنهم أجمع يرونه على وجه واحد .
فإن قالوا : إنا نقول إنهم ، وإن اشتركوا في رؤيته تعالى ، فقد اختلف حالهم في اللذة الحاصلة عند ذلك ، فلذة الأنبياء برؤيته أعظم من لذة غيرهم ، ثم كذلك يختلف حالهم بحسب طاعاتهم . قيل لهم : إنما يعتد بكثرة اللذة في الجنة إذا كثر ما يلتذ به ، ولولا ذلك لم يكن به اعتداد . ولذلك يعطى القديم تعالى الأنبياء من اللذة أكثر مما يعطى غيرهم ، فتكثر لذاتهم بحسب كثرة ملاذهم .
ومن قولهم إن القديم جل وعز واحد ، تستحيل عليه القلة والكثرة ، فيجب أن يتساوى حالهم في الالتذاذ به .
فإن قالوا : إن التذاذ النبي صلى اللّه عليه برؤيته يعظم من حيث تقع رؤيته له على وجه من التعظيم لا تقع عليه رؤية غيره ، وذلك كقولكم : إن النبي عليه السلام ، ومن أعطاه اللّه من الحور والولدان / ، يشتركون في المأكول ، ويختص بكثرة الالتذاذ لوقوع ما يناله على وجه التعظيم . قيل لهم : إن ما ذكرته لا يخرجهم من أن يكونوا قد اشتركوا في أعظم الملاذ ، وإن افترقوا فيما قاربها من التعظيم . وافتراقهم في ذلك كافتراقهم في سائر الثواب ، فالذي ألزمناكم قد سلم ، ولم يؤثر فيه ما ذكرتموه . وإنما يصح لنا ما نقوله في منازل المثابين ، لأن عندنا لا يتساوى حالهم في اللذات ، ولا في التعظيم ، ومواكلة الولدان لهم لا يعتد به ؛ لأن ذلك واصل إليهم من جهة المثاب ، وهو نفسه ثواب للمثاب .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 235
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٣٥