وليس لأحد أن يقول : إذا كان الخبر قد خرج مخرج البشارة وجب حمله على الرؤية التي ليست بحاصلة لهم في الدنيا دون العلم الحاصل لهم في الدنيا ؛ وذلك أنه صلى اللّه عليه بشرهم بعلم ليس بحاصل ، وهو العلم الضروري الّذي لا يحتاج فيه إلى تكلف استدلال ونظر ، ولا في دفع التشبيه إلى كلفة ومشقة ، وهذه بشارة معقولة ، لأنه يجرى مجرى قوله صلى اللّه عليه إن أهل الجنة لا يلحقهم تنغيص بالفكر والاستدلال ودفع الشبه ، وأن نعيمهم مصفى من كل شائب .
وليس لأحد أن يقول : لو كانت / البشارة بالعلم الضروري توجب أن يكون أهل النار كأهل الجنة في ذلك لمشاركتهم لهم في أنهم يعلمون اللّه في الآخرة باضطرار ، وفساد ذلك يبطل هذا التأويل . وذلك أن البشارة بزوال اليسير من الكدر لمن صفا سائر ما هو فيه من لذيذ العيش بشارة معقولة ، وإزالة اليسير من الكلفة لمن جسمه مستغرق بالآلام لا يصح . ألا ترى أن من جرد للسياط والقتل والصلب ، لو بشر بأنه لا يؤذى بكلمة يكرهها ، لم يعتد بذلك بشارة !
وبعد : فإن علم أهل الجنة باللّه ضرورة مما يزيد في سرورهم ، لأن عنده يعلمون أنه تعالى يقصد بما يفعله من الثواب تعظيمهم وتبجيلهم ، وعلم أهل النار يزيد في غمومهم ؛ لأن عنده يعلمون أنه تعالى يقصد الاستخفاف بهم عند فعل العقاب والإهانة . فأمر أهل النار بالضد من حال أهل الجنة ، فكيف يصح ما سأل عنه ؟
وليس لأحد أن يقول : لو كان المراد بقوله : « ترون ربكم » العلم لوجب أن يعدى إلى مفعولين على ما حكى عند أهل اللغة . فإذا بطل ذلك ، علم أن المراد به الإدراك بالبصر ، وذلك أن العلم إذا كان عندهم بمعنى اليقين ، لم يمتنع أن يعدى إلى مفعول واحد ، وإنما فصلوا بينه وبين الرؤية لظنهم أن الرائي هو المتيقن ، ومن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 232
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٣٢