فصل فيما يلزمهم على قولهم بالرؤية من الفساد والمناقضة
اعلم أن سائر ما قدمناه من الأدلة يمكن أن يجعل إلزاما لهم على هذا المذهب ، ويبين به فساده من حيث يؤدى إلى أمر فاسد . يبين ذلك أن القول بإثبات الرؤية على ما قدمناه يؤدى إلى القول بأنه جسم أو عرض متى قيل إنه يرى على الوجه المعقول في الرؤية . ومتى قيل إنه يرى على وجه لا يعقل أدى إلى الجهالات التي نلزمها الكلابية على قولهم بإثبات كلام للّه جل وعز مخالف للكلام المعقول ، ويجب أيضا أن يثبت مدركا بسائر الحواس على قولهم إنه يرى .
وقد بينا لزوم ذلك لهم ، وبينا أنه يلزمهم جواز إدراكه لمسا لا على الوجه المعقول كما قالوه في الرؤية .
وليس لهم أن يقولوا : إن اللمس لا يصح إلا في الأجسام ، لأن اللمس الّذي تختص به الأجسام هو اللمس المعقول ، كما أن الرؤية بالبصر تختص ما صح عليه الكون في جهة ، أو الحلول في جهة . وقد أثبتوا الرؤية على خلافه في الغائب ، فيجب أن يثبتوه مدركا باللمس على خلاف ما يعقل من اللمس في الشاهد .
وقد بينا ما يلزمهم على قولهم إنه مرئى ، وإن كنا لا نراه الآن من غير مانع ، من الجهالات ، / فلا طائل في إعادته .
وقد ألزمهم شيوخنا على قولهم إن رؤية اللّه جل وعز من أعظم ما يناله المثاب القول بأن أهل الجنة يجب أن لا يتساووا في رؤيته ، لأن تساويهم في ذلك يؤدى إلى أن يتساووا في أعظم الملاذ الواصلة إلى المثاب ، وهذا لا يحسن في الحكمة ؛ لأنه يوجب وصول الثواب إليهم بحسب درجاتهم في الطاعة .