وهذا معقول من الملاذ أن فوتها يوجب من الحسرة بحسب ما يحصل من اللذة بها ، وفي هذا صحة ما ألزمناهم من تجويز الحسرات والتنغيص على أهل الجنة .
وليس يمكنهم / أن يقولوا إنهم إذا لم يروه فتلك الملاذ التي حصلت برؤيتهم له تبقى فيهم ، فلا يوجب ذلك حسرة ولا غما ، لأن الملاذ لا يصح البقاء عليها ، ولأن البقاء لو صح عليها لكان حصولها وبقاؤها على الوجه المراد يجب أن يكون تابعا لرؤيتهم له . وإلا فإن جاز أن يحصل لهم الغرض مع فوت رؤيته بحصول الملاذ في جسمهم ، جاز أن يخلق اللّه تعالى نيل الملاذ وأمثالها في أجسامهم ابتداء من غير رؤيته ، وفي ذلك الاستغناء عن الرؤية أصلا . ونحن إنما لا نجوز الاستغناء عن نيل المأكول وغيره ، لأن عندنا أن الالتذاذ إنما يحصل بإدراكها فقط لا بحصول معنى في الجسم ، فما ألزمناهم ساقط عنا .
وليس لهم أن يقولوا : إنه جل وعز إذا فات رؤيتهم له أعطاهم من الملاذ ما يقوم مقام الرؤية ، فلا تلحقهم حسرة ولا غم ، وذلك أن الرؤية عندهم مما لا يسد مسدها غيرها ؛ لأن القول بذلك يغنى عن رؤيته أصلا بأن يفعل بالمثابين في البدن ما يقوم مقام رؤيته .
فإن قالوا : إذا جاز أن يسر أهل الجنة برؤية النبي صلى اللّه عليه ، ومحادثته لهم ، ثم لا تلحقهم الحسرة ولا الغم بفوت ذلك ، فكذلك القول في رؤيته جل وعز . قيل لهم : إن رؤيته صلى اللّه عليه ليس بثواب عندنا ، ولو كان ثوابا لم يكن من معظم الثواب الّذي لا يصح أن يقوم مقام غيره ، وإنما تجرى رؤيتهم له مجرى السرور بزيارة الإخوان ومحادثتهم ، لأن ما يلزم من فعل التعظيم في الدنيا بالأنبياء لا يجب في الآخرة / ، وإنما يلحقهم بالتلاقى والتزاور والفرح والسرور .
وليس كذلك رؤيته تعالى ، لأنها عندهم من أفضل الثواب الّذي لا يعد له غيره ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 238
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٣٨