لأن ذلك إذا كان معظم الثواب ، وكان ما عداه يسيرا بالإضافة إليه ، فغير ممتنع أن يقتصر في إثابتهم عليه ، ويزاد في لذاتهم القدر الّذي يكافئ سائر ملاذهم .
ويجب أيضا أن لا يؤمن أن يقتصر اللّه في تعذيب أهل النار على تعذيبهم بأن ينفر طباعهم من رؤيته ، ويزيد في ذلك بحسب اختلاف أحوالهم ، وفي ذلك إبطال الجنة والنار والثواب والعقاب بسائر الوجوه المعقولة .
فإن قالوا : قد دل السمع على خلاف ما ذكرتموه ، فلذلك لم نجوزه . قيل لهم :
فيجب أن يجوز ذلك من جهة العقل ، وأن لا يأمن المكلف قبل ورود السمع من أن يكون جملة الثواب والعقاب ما ذكرناه من رؤية اللّه جل / وعز .
فإن قالوا : لا نجيز ذلك كما لا تجيزون أن يقتصر اللّه جل وعز بالمكلف على أن يثيبه بنوع من المأكول فقط دون سائر الملاذ ، أو يثيبه بخلق اللذة في الجسم دون التمكين من سائر وجوه الملاذ . قيل لهم : إنا لا نجيز من جهة العقل أن يثيب جل وعز إلا بما هو من جنس الملاذ المعقولة ، لأن الترغيب لا يصح إلا فيها ، فلذلك أوجبنا الإثابة بذلك ، والعقاب بالآلام المعقولة . وليس كذلك قولهم ، لأنهم قد أجازوا أن يثيب تعالى برؤيته ، ويكون ذلك من أعظم الثواب ، وإن لم يكن من قبيل الملاذ في الشاهد ، فيجب أن تجوزوا أن يقتصر بالإثابة عليه .
فإذا جاز ذلك ، وكان ذلك لا يصح إلا بأن تتعلق شهواتهم به ، وقد علم أن كل شيء يصح تعلق شهوة مشته به يصح أن ينفر طبع غيره عنه ، وذلك يوجب تجويز الاقتصار في تعذيب أهل النار على رؤيته أيضا على ما ألزمناهم ، وقد ألزمهم شيوخنا القول بأن أهل الجنة يلحقهم الحسرة والتنغيص متى فاتتهم رؤية القديم ، لأن رؤيته تعالى ، إذا كان من أعظم الملاذ على ما زعموه ، فيجب أن يكون ما يلحق من الحسرة بفوتها بحسب ما يلحق من اللذة بحصولها ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 237
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٣٧