الدنيا ، وأنه يكشف لهم يوم القيامة عن ساقه ، إلى أخبار كثيرة لا تكاد تحصى في هذا الباب . فإن وجب قبول تلك الأخبار فيجب قبول هذه ، ولا وجه ترد به هذه إلا ويقتضي رد تلك .
على أن شيوخنا قد بينوا أن خبر جرير لو صح لكان له تأويل سليم على قولنا وهو أنه أراد بقوله : « ترون ربكم » ، تعلمون ربكم ، لأن الرؤية قد تكون بمعنى العلم في اللغة . يبين ذلك قوله جل وعز :
« أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ »
« 1 » ، و
« أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ »
« 2 » ، وقوله
« أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ »
، « 3 » وقوله :
« أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ »
« 4 » ، وقوله :
« إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً »
« 5 » ، وهو تعالى يعنى البعث ، وقول المسلمين : اللهم أرنا الحق حقا فنتبعه ، والباطل باطلا فنجتنبه . وقد ذكر أهل اللغة في كتبهم أن كتبهم أن الرؤية إذا كانت بمعنى العلم تعدت إلى مفعولين ، وإذا كانت بمعنى الإدراك لم تتعد إلا إلى مفعول واحد .
فإذا صح ذلك ، وأن الرؤية قد تكون بمعنى العلم ، لم يمتنع أن يكون المراد بقوله : « ترون ربكم » ، كما تعلمون القمر ليلة البدر ، ويكون هذا أصح لأنه إن حمل على أنه أراد يدركونه بالبصر كما يدركون القمر ، فيجب أن يدرك في جهة مخصوصة كالقمر ، فثبت أن وجه التشبيه فيه ، إذا حمل على العلم من حيث شاركه في أنه ضروري ، أصح .
هامش
( 1 ) سورة الفجر : آية 6 .
( 2 ) سورة الفيل : آية 1 .
( 3 ) سورة يس : آية 77 .
( 4 ) سورة المجادلة : آية 7 .
( 5 ) سورة المعارج : آية 6 .