وأيضا فإنه قد يشتهى الشيء ثم يخرج من أن يكون مشتهيا له ، مع أن حاله معه على ما كان عليه ، وسائر صفات المشتهى كما كان ، فلولا أنه مشته لمعنى قد بطل خرج لأجل بطلانه من أن يكون مشتهيا لم يصح ذلك فيه . وقد يصير نافر الطبع عن شيء كان مشتهيا له ، فيعلم بذلك أنه في حال ما اشتهاه كان يصح أن ينفر طبعه عنه ، فيجب أن يكون الموجب لاختصاصه بإحدى الصفتين وجود معنى يختص به .
ومن حق الشهوة أن لا تتعلق إلا بالمدركات ، ولذلك لا يصح أن يلتذ إلا بما يدركه دون غيره . فأما ما يصل به إلى الملاذ ، فربما ظن الظان أنه يشتهيه وليس هو بمشته له في الحقيقة ، ولكنه قد علم أنه يصل به إلى المشتهى ، ولذلك يلتبس عليه حاله بحال ما يشتهيه ، فإذا اعتبر الحال فيه ، علم أن شهوته متعلقة بما يصل به إليه دونه ، وذلك كالدنانير والدراهم ، ولذلك يكون رغبته فيه بحسب ما يؤمل به من الوصول إلى المنافع ، ولذلك يؤثر بعضه على بعض بحسب قيمته وموقع الانتقال به ، وليس كذلك حال ما يشتهيه ، لأن المشتهى للماء قد يؤثره على غيره من المائعات وإن كان ثمنه أكبر ، وقد يؤثر الجارية مع قلة ثمنها على كثيرة الثمن .
والألم والغم والسرور يستحيل أجمع على اللّه سبحانه : الّذي يدل على أن الشهوة لا تجوز عليه سبحانه أنها لو جازت عليه لوجب أن يكون حكمه في أنه يجب أن يفعل ما يشتهيه ويلتذ به حكم الملجأ منا ، لأن الواحد منا إذا كان له في الشيء منفعة وليس عليه فيه ضرر فلا بد من أن يفعله ، كما أنه إذا كان عليه في الشيء ضرر ولا نفع له فيه ، فلا بد من أن يهرب منه . فلو كان تعالى مشتهيا لنفسه أو بشهوة قديمة أو ملتذا لنفسه أو بلذة قديمة لوجب فيه ما قدمناه ، وهذا يؤدى إلى أن لا يتقدم فعله إلا بوقت واحد ، وفي ذلك إخراج له من كونه قديما . وكذلك لو كان مشتهيا بشهوة محدثة ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 20
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٠