على أن في قوله تعالى :
« كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ »
« 1 » وصفا يختصهم ، وليس فيه دلالة على أن غيرهم بخلافهم ، فمن أين أن أولياء اللّه يجب أن يروا اللّه ؟ على أنا قد بينا من قبل أن قوله
« لَمَحْجُوبُونَ »
معناه ممنوعون من رحمة اللّه وثوابه ، وبينا أن الحجاب قد يكون بمعنى المنع على ما يقال إن الإخوة يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس . فإذا صح ذلك ، وكان المراد به لممنوعون من رحمة اللّه فيجب أن يكون من خالفهم من أولياء اللّه غير ممنوعين من رحمة اللّه وثوابه ، وكذلك نقول . على أن ظاهر هذا القول يوجب أنه تعالى ممن يصح أن يحتجب ويحجب ، فيراه واحد دون آخر ، وهذا يوجب كونه جسما في مكان مخصوص ، وقد بينا فساد ذلك .
وليس لأحد أن يقول : إنه تعالى / يحجبهم عن رؤيته بخلق آفة في عيونهم ويزيل ذلك عن عيون أوليائه فيرونه ، وأن هذا هو المراد بالحجاب ، وذلك أن ظاهر الآية لا يدل على ما قاله ، وقد بينا فيما تقدم فساد هذا القول أيضا . على أن ظاهر الآية يقتضي أن هناك حاجبا وحاجزا يمنع من رؤيته ، والآفة التي في العين لا تسمى بهذا الاسم ، ولذلك لا يقال في الضرير إن بينه وبين المرئى الّذي بحضرته حجابا ، ويقال ذلك في البصير إذا حال بينه وبين المرئى ساتر ، وذلك يسقط ما قاله .
فإن قال : إنه تعالى قال :
« كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ »
« 2 » ، فالحجاب عن ذات الذات لا يكون إلا بالمنع من الرؤية ، ومتى حملتموه على الرحمة والثواب عدلتم عن ظاهره ، فادعيتم أنه ذكر نفسه وأراد ثوابه ، ولأن تحمل الآية على ظاهرها أولى . قيل له : قد بينا أن معنى الحجاب لا يصح فيه ،
هامش
( 1 ) سورة المطففين : آية 15 .
( 2 ) سورة المطففين : آية 15 .