يكون موسى عليه السلام سأل ذلك لأجل غيره مع علمه بفساده ، كما لا يجوز أن يسأل سائر ما يستحيل على اللّه لأجل غيره ، ولا يجوز أن يسأل لنفسه ؛ لأنه لو كان تعالى لا يرى لم يصح أن يجهل ذلك موسى ، لأن الأنبياء صلوات اللّه عليهم لا يصح عليهم الجهل بما يجوز على اللّه وبما لا يجوز لما فيه من التنفير عن القبول منهم .
الجواب :
إنا قد بينا فيما تقدم أن موسى صلى اللّه عليه سأل الرؤية عن قومه لأنهم سألوه ذلك ولم يقنعوا بجوابه . وأحب موسى عليه السلام عند ذلك ورود الجواب من قبل اللّه ، فسأل اللّه تعالى لهذه البغية ، لا لأنه لم يعلم استحالة ذلك على اللّه تعالى . وقد بينا كل ما يتعلق بصحة هذا الوجه ، وأجبنا عن سائر ما يعترض به عليه ، وبينا أن هذه الآية أحد ما يعتمد عليه في أنه تعالى لا يجوز أن يرى ، وهذا الجواب هو الّذي يختاره شيخانا أبو علي وأبو هاشم رحمهما اللّه ، وإن كان شيخنا أبو علي رحمه اللّه قد ذكر في الجواب عنه وجها آخر ، وهو جواب أكثر شيوخنا المتقدمين ، وهو أن موسى عليه السلام سأل ربه تعالى أن يعلمه نفسه ضرورة بإظهار علم من أعلام الآخرة ، ليعرف اللّه عند مشاهدته ضرورة ، فتزول عنه الدواعي إلى الشك ، ويستغنى عن النظر والاستدلال / ، وتكون المحنة في التكليف عليه أخف ، كما سأل إبراهيم عليه السلام أن يريه اللّه كيف يحيى الموتى لتخفيف المحنة ، وإن كان قد عرف ذلك قبل أن أراه اللّه ، لكن ما سأل إبراهيم هو من القبيل الّذي يثبت التكليف معه فلذلك أجابه ، وما سأل موسى عليه السلام لو أجيب لزال معه التكليف ، فلما لم يجبه تعالى إلى ذلك ، لأن التكليف يمنع منه ، علم موسى عليه السلام أنه أخطأ في المسألة ، فتاب من مسألته .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 218
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢١٨