وهو الطلب ، فكأن المفكر المعتبر يطلب المعرفة بحال ما يفكر فيه ، والناظر يطلب الرؤية ، والمنتظر يطلب ما يتوقعه من جهة غيره ، فمعنى الطلب في الجميع يتساوى على ما ذكرناه . ومتى صح حمل الجميع على أنه مأخوذ من وجه واحد ، وموضوع في اللغة لطريقة واحدة ، فما أوجب كونه حقيقة في البعض يوجب كونه حقيقة في الكل .
وقد ذكر شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه قريبا من هذا المعنى في العسكريات ، وبين أن المنتظر لما كان ينتظر قتاله من يتوقع الشيء منه ، كما أن الطالب للرؤية ينظر على هذا الوجه ، أجرى اسم النظر عليهما . وعلى هذا الوجه يقال في المنتظر إنه ماد العين إلى فلان كما يقال في الناظر ، وإن كان الانتظار لا يتعلق في الحقيقة بالعين كالنظر ، ولذلك يصح من الضرير الانتظار ولا يصح منه النظر ، كما يصح منه الفكر وإن لم يصح منه النظر بالعين ، وهذه / الجملة تسقط ما سأل عنه .
ولو ثبت ما قاله من أن استعمال النظر في الانتظار مجاز ، لم يمتنع حمل الكلام عليه إذا ثبت أن النظر الّذي تعلق بالجملة يصح أن يراد به الانتظار . وإن حمل الكلام على النظر بالعين في الحقيقة لا يصح ، سيما إذا قدمنا الدلالة من جهة العقل والسمع على أنه تعالى لا يرى ، لأن ذلك يوجب حمل هذه الآية على وفاق تلك الدلالة ، وحملها على وفاقه لا يصح إلا على ما قلناه .
فإن قيل : لو أريد به الانتظار لما صح أن يعدى بإلى ، لأن الانتظار لا يصح فيه ذلك وإنما يصح في النظر بالعين ، لأن القائل لا يقول : وأنا منتظر إلى فلان ، وإنما يقول : أنا منتظر فلانا ، وذلك يوجب حمل الآية على ما قلناه .
قيل له : إن ما ادعيته من أن النظر بمعنى الانتظار لا يعدى بإلى غير مسلم ، لأن الشعر قد ورد به . ألا ترى إلى قول الشاعر :
إني إليك لما وعدت لناظر * نظر الفقير إلى الغنى الموسر