وليس لأحد أن يقول : فجوزوا أن يقال في زيد إنه ضارب إلى عمرو ، كما يقال ضارب لعمرو على قياس ما ذكرتم ، وإلا فيجب بطلان ما ذكرتموه .
وذلك أن ما ذكرناه مجاز ، فلا يحب اطراده واستعمال القياس فيه .
فإن قيل : كيف يصح أن يراد به الانتظار ، وذلك يوجب كون أهل الجنة منتظرين ، والانتظار / يقتضي كون المنتظر في حسرة وغم ، وذلك لا يصح في أهل الجنة ، فيجب أن يكون المراد بالآية ما ذكرناه ؟ . قيل له : إن الانتظار هو توقع الشيء الّذي يعلم حصوله في المستقبل أو يظنه ، وقد ينقسم :
فإن كان ما ينتظره يحتاج إليه في الحال ، ويلحقه بفقده مضرة ، كانتظار الجائع المأكول ، والمحبوس الخلاص ، فذلك يوجب الحسرة . وكذلك فلو انتظر ما لا يحتاج إليه في الحال ، لكنه يخشى فوته ، ولا يثق بحصوله ، فإنه قد تلحقه الحسرة .
فأما القسم الثاني ، وهو أن يكون ما ينتظره غير محتاج إليه في الحال ، ويثق بحصوله في الوقت الّذي ينتظره ، وجميع ما يشتهيه في الحال حاصل ، فإن ذلك لا يوجب الحسرة .
ولذلك يختلف حال المنتظر بحسب ثقته بمن ينتظر الشيء من جهته ، فكل من كانت نفسه إليه أسكن كانت حسرته في الانتظار أقل ، ولو قدم إلى بين يديه ما يشتهيه من ألوان الأطعمة ، وينتظر عند كل لون غيره ، ويثق بوجوده ، لم تلحقه حسرة ، بل لو جمعت الألوان كلها عنده كانت لذته أقل منه إذا قدم إليه مرتبا على حسب ما يشتهيه . وإنما يقال إن الانتظار يورث الحسرة ويراد به الوجه الأول ، وكل من ذكره في مثل أو شعر فمراده الأول ؛ لأنه المألوف في الشاهد ، وإلا فما ذكرناه من القسم الثاني في الانتظار لا يحيل حصوله على عاقل أنه لا يورث حسرة ولا غما
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 210
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢١٠