إلا الرؤية كلام محتمل ، لأن تعليق النظر بالوجه ينقسم إلى أنحاء مختلفة . فإن أردت بذلك ما أوردته مثالا ، فليس بينه وبين الآية شبه ، لأنه إذا قال : نظر إلى بوجهه ، فبإدخاله الباء في الوجه قد دل على أنه آلة في النظر ، فلذلك وجب حمله على ما قلته ، وليس كذلك قوله
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
« 1 » .
والّذي يليق بذلك من الأمثلة أن يقول القائل : وجوه يوم الجمعة ناظرة إلى الأمير ، ولا يمكن أن يدعى على أهل اللغة أن ذلك لا يحتمل الرؤية ، بل لو قيل إنه لا يحتمل إلا الانتظار لكان أقرب .
وبعد : فإن القائل إذا قال : نظر فلان إلى بوجهه ، فقد اتسع في الكلام وتجوز فيه ، فكيف يصح أن يجعله مثالا وأصلا وهو في نفسه مجاز ، لأن المراد به نظر إلى بالعين التي في وجهه ، فلاتصال العين بالوجه ذكر الوجه وأراد به العين . وإنما قلنا إن الإدراك إذا قرن بالبصر لم يحتمل من حيث قرن بنفس الآلة ، ولم يختص به ، ولا يفصل أحد من أهل اللغة بين قول القائل فلان رآني ببصره ، وأدركني بعينه ، وبين قولهم بصر فلان / قد أدرك فلانا ، فقد بان مفارقة حالهم لحالنا في ذلك .
فإن قيل : فإن النظر إذا أريد به الانتظار كان مجازا على كل وجه ، ومتى أريد به النظر بالعين كان حقيقة فيه ، وإن كان وصف الوجه بأنه ناظر مجازا ، ولأن يحمل الكلام على الوجه الّذي هو حقيقة في بعض الوجوه فهو أولى من حمله على ما هو مجاز من كل وجه . قيل له : إن ما ادعيته من أن النظر بمعنى الانتظار مجاز ليس بمسلم ، لأنهم قد استعملوه فيه على وجه قد اطرد كاستعمالهم ذلك في النظر بالعين ، فلا يمتنع أن يكون ماله سمى جميع ذلك نظرا يرجع إلى معنى واحد
هامش
( 1 ) سورة القيامة : آية 22 .