تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
وقوله :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ لِسَعْيِها / راضِيَةٌ »
« 1 » . فكما أن تعليق الظن بالوجوه يقتضي أن المراد به جملة الإنسان ، لأن الظان دون الوجه ، فكذلك وصف الوجوه بأنها ناظرة يدل على ذلك ، لأن الناظر هو صاحب الوجه دونه . وقد صح استعمال الوجه في اللغة على هذه الطريقة : فلذلك يقول القائل : هذا وجه الرأي ، ووجه الطريق ، ويريد به : نفس الرأي ، ونفس الطريق . وعلى هذا حمل جماعة المسلمين قوله سبحانه :
« وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ »
« 2 » ، و
« كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ »
« 3 » . ولا يبعد أن تكون الجملة وصفت بذلك ، لأن بالوجه تتميز الجملة من غيرها ؛ فلما كان التمييز ، والمعرفة تقع به ، وصفت الجملة بهذه الصفة . فإن قيل : لو كان المراد بالآية ما ذكرتموه ولم يرد بها العضو لم يصح أن يصف الوجوه بالنضارة ، لأن النضارة من صفات العضو دون الإنسان ، ولأن الإشراق والحسن يرجعان إليه . قيل له : لو دل هذا على ما قلته لدل قوله جل وعز
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ »
« 4 » على أن المراد به العضو ، لأن البسارة لا تصح إلا في العضو . فلما وجب حمل ذلك على الإنسان لأنه علق الظن به ؛ فكذلك يجب حمل ما ذكرناه على الإنسان لأنه علق النظر به . وإنما وصف الإنسان بالنضارة لأن النضارة من صفة الوجه الّذي به تقع المعرفة به ، وفيه يتبين السرور وغيره ، وذلك كما يقول الإنسان : وقد عرفت زيدا ، وإن لم يشاهد من جسمه إلا وجهه من حيث / كان المقصود بالمعرفة هو الوجه دون غيره .
هامش
( 1 ) سورة الغاشية : آية 8 . ( 2 ) سورة الرحمن : آية 27 . ( 3 ) سورة القصص : آية 88 . ( 4 ) سورة القيامة : آية 24 .