الرؤية ، وإن كانت تفيد غير ما يفيده النظر ، فكلا الفائدتين لا يقعان إلا بالعين ، لأن النظر اسم لما عنده يرى الشيء بالعين من التحديق وتحريك الجفن وغير ذلك ؛ والرؤية منا تقع بالعين ، وهي آلة فيها ؛ فمن حيث يختص كلا الأمرين بالعين استعمل ما ذكرته فيهما ، كما يقال إن فلانا أصغى بأذنه ، وسمعه بأذنه ، وإن كان معنى الكلمتين مختلفا .
فإذا صح بهذه الجملة أن النظر غير الرؤية ، ولم يكن في ظاهر الآية إلا أنه ينظر إليه ، فكيف يدل ذلك / على أنه يرى ؟ وهل الحامل له على الرؤية إلا كمن حمله على الانتظار في أنه تارك لظاهر الآية ؟
فإنه قيل : إن الحال في النظر ، وإن كان ما ذكرتموه فإن صحة النظر إليه تقتضى صحة رؤيته ، ولذلك لا يقال في الناظر إنه ينظر إلى ما يستحيل أن يرى ، ومتى نظر طالبا لرؤية ما لا يصح أن يرى كان النظر عبثا لا فائدة فيه . ولا يصح أن يصف اللّه سبحانه أهل الجنة على طريق التعظيم لحالهم بالمحال والعبث ، فيجب أن تدل الآية على أن اللّه يرى من هذا الوجه . قيل له : إن الأمر في النظر على ما ذكرته من أنه طريق للرؤية ، فيجب أن يقضى في كل ما يستحيل رؤيته أنه لا يجوز النظر إليه ، وفي كل ما لا يصح النظر إليه « 1 » أنه لا يصح أن نراه . وقد علمنا أنه تعالى لا يصح أن ينظر إليه ، لأن النظر إذا كان معناه ما وصفناه من تقليب الحدقة نحو الشيء التماسا لرؤيته ، فيجب أن لا يصح إلا فيما كان في جهة مخصوصة ، أو حالا في ما هذه حاله ، فيصح تقليب الحدقة نحوه ، وقد علمنا أنه تعالى يستحيل كونه بهذه الصفة ، فيجب استحالة النظر إليه ، وإذا استحال
هامش
( 1 ) قوله : وفي كل ما لا يصح النظر إليه ، ساقط من نسخة المكتبة المتوكلية اليمنية ، ومثبت في نسخة دار الكتب المصرية .