ذلك فيه علم أنه أراد بقوله
« إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
« 1 » غير النظر ، وأنه أراد به ما يصح عليه من انتظار النعيم من قبله ، أو ذكر نفسه وأراد ما يصح النظر إليه من الثواب على ما نبينه من بعد ، لأن المذكور في الآية إذا علق بما يستحيل تعلقه به وجب صرفه إلى غير ذلك . ولذلك قلنا إن قوله :
« وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ »
« 2 » يجب صرفه / إلى أهل القرية لاستحالة تعلق السؤال بنفس القرية ؛ وقلنا إن قوله تعالى :
« لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ »
« 3 » يجب صرفه إلى أن المراد به المصيد لاستحالة تعلق القتل بنفس الصيد الّذي هو فعلنا . وإذا وجب ذلك لم يمكن أن يقال إن النظر الّذي وصف اللّه تعالى أهل الجنة به يجب كونه عبثا ، ولا يصح أن يقال إن ذلك يستحيل عليهم إذا كان المراد به ما قلناه .
فإن قيل : إنا نقول إنه ينظر إليه في الحقيقة بمعنى أنه يطلب بهذا الفعل رؤيته وإن لم يكن في جهة مخصوصة ، ويرى عند ذلك على ما يريده جل وعز ويشاءه من غير مقابلة ، كما يطلب الإنسان رؤية وجهه في المرآة بالنظر وإن لم يكن هناك مقابلة . قيل له : إن طلب رؤية الشيء بالنظر لا يصح إلا إذا صح كونه في الجهة التي ينظر فيها ، ومتى لم يصح ذلك فيه لم تستعمل هذه اللفظة فيه ، وإنما يقال إن الإنسان ينظر ليرى وجهه من حيث يرى وجهه كأنه في المرآة للمقابلة التي بين المرآة وبينه ، ولولا ذلك لما صح استعمال ذلك فيه ، ولذلك يقل التعارف في قولهم إن فلانا ينظر وجهه إذا لم يقيد بالمرآة من حيث كان وجهه غير مقابل له .
وإذا صح ذلك ، ثبت ما قلناه من استحالة النظر إلى اللّه تعالى . فإذا استحال ذلك فيه ، وجب أن لا يصح أن نراه على وجه ، وأن يكون المراد بالآية غير ظاهرها .
هامش
( 1 ) سورة القيامة : آية 22 .
( 2 ) سورة يوسف : آية 82 .
( 3 ) سورة المائدة : آية 95 .