تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
ذكرتموه لا يصح ، وذلك أن ما تعارفوه من الكلام ، واطراد الاستعمال فيه فارغا ، المجاز فيه لا وجه له . وقد علمنا استعمالهم لهذه اللفظة على طريقة واحدة ، فلو صح أن يدعى أن ذلك مجاز ، لصح في غيره من الألفاظ ، وقد علمنا فساد ذلك ، فيجب بطلان ما قاله . فإن قال : إنما حملت الكلام على أنه مجاز لأنه ذكر الهلال وأريد غيره ، لأنه يجوز أن يقال نظرت إلى الهلال ، وليس هناك هلال مرئى ، فيجب أن يكون المراد بالكلام موضع الهلال ، فلهذا قلنا إنه مجاز . قيل له : إن الّذي ذكرته إنما كان يتم لو كان النظر كالرؤية في أنه يقتضي ثبوته ثبوت المنظور إليه ، كما يقتضي ثبوت الرؤية ثبوت المرئى ، والأمر بخلاف ذلك : لأن النظر إنما هو طريق للرؤية ، فقد يصح أن يقول القائل : « نظرت إلى الشيء » وإن لم يكن ذلك الشيء ثابتا ، وتخالف الرؤية في هذا الباب ، كما يصح أن يقول القائل « أصغيت إلى الشيء » وإن لم يثبت كلاما مصغى إليه ، وإن لم يصح أن نقول « سمعنا الشيء » إلا وهناك كلام مسموع مثبت . ولو كان النظر إلى الشيء يقتضي ثبوته لم يكن النظر طريقا للرؤية ، وقد علمنا أنه طريق لها ، وما هو طريق للشئ يصح مع حصوله ثبوت ذلك ، ويصح أن لا يثبت ، فسقط بذلك ما قاله . ومما يبين ما قلناه أن أهل اللغة / قد صنفوا النظر أصنافا من حيث عرفه الرائي وصار في الحكم كالداخل تحت الجنس ، فقال : « نظر فلان إلى نظر منكرا » و « نظر إلى نظر راض ، ونظر غضبان » ، و « فلان ينظر إلى فلان نظر دهش متحير » ، و « فلان ينظر إليه نظر منكر عليه » ، وقال الشاعر : « نظر المريض إلى وجوه العود » ، وقال آخر : « نظر الذليل إلى العزيز القاهر » ، وقال آخر :
تخبرني العينان ما الصدر كاتم * ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر