تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
فيجب أن يكون النظر هو تقليب الحدقة على ما قلناه ، لأن حركات جفنه وكيفية النظر تختلف ، فلذلك قسموه هذه القسمة ، والرؤية لم يصنفوها أصنافا . فعلم أن النظر الّذي ينقسم الأقسام التي ذكروها غير الرؤية التي لا يصح أن تنقسم . فإن قيل : أفليس يقال : إن فلانا يراني بعين الذل ، ويراني بعين الرضا ، ويراني بالمحل الكبير ، فقد قسموا الرؤية كتقسيمهم النظر ، وذلك يوجب كونهما عبارتان عن معنى واحد ؟ قيل له : إن قائلهم إذا قال : يراني بالمحل الرفيع ، فليس المراد به رؤية البصر ، وإنما يراد به أنه ينزلنى من نفسه من الإكرام والتعظيم هذه المنزلة ، ولذلك يقوله الضرير كما يقوله البصير . ومتى قالوا : يراني بعين الذل ، فإما أن يراد به أنه ينزلنى هذه المنزلة ، أو يراد به النظر ، ولذلك / يعلقونه بالعين من حيث تختلف بها كيفية النظر ، فسقط ما تعلق به السائل . ومما يدل على ذلك أن القائل يقول : نظرت إلى الشيء فلم أره ، ولا يجوز أن ينفى نفس ما أثبته ، وذلك في بابه كقولهم : أصغيت إلى شيء فلم أسمعه ، وذقت الشيء فلم أجد له طعما ، وتأملت الشيء وفكرت فيه فلم أعرفه . يبين ذلك أنهم يقولون : نظرت إلى الشيء حتى رأيته ، ولم أزل أنظر إليه حتى أدركته ، ولا يجوز أن يجعل الشيء غاية لنفسه ، ولذلك لم يستجز أحد من المسلمين القول بأن اللّه تعالى ينظر إلى العباد بمعنى الرؤية ، وإنما يقال في ذلك بمعنى التعطف والرحمة ، وإن كان يطلق عليه القول بأنه راء للأشياء . فلو كان معناهما واحدا لاستعملوها في القديم تعالى على سواء . وليس لأحد أن يقول : أليس النظر والرؤية جميعا يعلقان « 1 » بالبصر والعين ، فلولا أنهما لا يفيدان أمرا واحدا يقع بالعين لم يجب ذلك فيهما ؟ وذلك لأن
هامش
( 1 ) زائدة في نسخة دار الكتب المصرية وساقطة من نسخة المكتبة المتوكلية اليمنية .